فهجرته إلى ما هاجر إليه»، أو كما قال بأبي هو وأمِّي. فظاهر العملين واحد: هذا مهاجر، وهذا مهاجر، ولكن النية اختلفت، والقصد تباين، فكذلك ثواب العمل أو عقوبته.
فمنفّذ العملية «الاستشهادية» لم يرد إلا النكاية بالعدو وإلحاق الضرر به، مستخدمًا نفسه وسيلة، غير مبال لتعرضها للتلف. فهو ينوي النكال بالعدو، وقد جاد بنفسه لله، فأين هذا ممن أراد إتلاف نفسه فقط لا غير، لجزع شديد، أو يأس من رحمة الله؟، أو هروبًا من فضيحة مقبلة! فوجود «نية» قتل النفس هو الذي يجعل العمل «جريمة انتحار» محرمة، فإذا انتفت النية انتفى الحكم. فالنية هي «الركن المعنوي» في الجريمة، كما هو اصطلاح القانونيين المعاصرين.
لا يقال أنه متسبب في إهلاك نفسه، أو حتى مباشر لذلك، فهو قاتل لها لا محالة. نعم: لا يقال ذلك لأن بحثنا في حرمة ذلك الفعل أو جوازه، أو حتى استحبابه، وليس في استحقاقه اسم «القاتل» ، وهذه، أي الحرمة واستحقاق الذم والعقوبة، لا ترتبط بمجرد التسبب أو المباشرة، وإنما تستند فقط على «النية» ، لا غير كما أسلفنا، وكما هو ظاهر من واقع «القاتل» خطأً، فهو بلا شك مباشر أو متسبب، ولكنه ليس آثمًا كقاتل العمد، وعليه إما الدية أو الكفارة، أو كلاهما، بموجب النص الشرعي، لحكم تشريعية أخرى، كالتكافل الاجتماعي، والقيام برعاية أسرة المقتول، ونحوه، غير الإثم، أي غير كونه آثمًا، وهو يقينًا ليس بآثم.
هذا ظاهر جدًا من قصة عامر بن الأكوع، كما رواها ابن أخيه سلمة بن الأكوع، رضي الله عنهما، كما هي مروية بأصح الأسانيد عند البخاري وغيره، فقد قتل عامر نفسه خطأً في المعركة فزعم قوم ممن لا حظ لهم من الفقه أن عمل عامر قد حبط، فأنكر النبي، عليه وعلى آله أزكى الصلاة وأتم التسليم، ذلك بشدة، ودحضه قائلًا: «كذب من قاله: إن له لأجرين» ، وجمع بين إصبعيه «إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»
وهو كذلك ظاهر ظهورًا بينًا من مسألة «التترس» ، أي اتخاذ الكفار أسرى المسلمين ترسًا، حيث يتم قتل «الترس» من قبل المسلمين عند الرماية، فالمسلمون هم المتسببون، بل والمباشرن للقتل، ومع ذلك فلا شئ عليهم، ولا إثم يلحقهم. بل الصحيح أنه ما ثمة دية ولا كفارة، كما هو قول السادة الأحناف، وطائفة من أهل العلم، إلا أن يخرج الإمام لأهلهم دية من بيت المال تطيبًا لنفوس أوليائهم.
ولزيادة الإيضاح نقول من زاوية أخرى: أنه من البديهيات عدم إقدام الرنسان على قتل نفسه في الأحوال العادية، بموجب غريزة حب البقاء، وقوة ظهورها في كل إنسان. فإن أقدم إنسان على قتل نفسه، فلا يتصور ذلك إلا في واحدة من الأحوال التالية:
(1) أن يكون، لحظة انعقاد الإرادة والإقدام على الفعل، مغلوبًا على عقله بجنون دائم أو مؤقت، أو بنوم، أو بعقار يحجب العقل، أو بغبر ذلك. هذا غير مكلف لأنه في تلك اللحظة الحاسمة في حكم المجنون المبتلى، وهذا غير مكلف، وقد رفع عنه القلم، فلا نطيل في البحث فيه. قريب من هذا حال الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف، حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ.
(2) أن يكون مستحلًا للإنتحار لكونه معتقدًا أنه المالك لنفسه، صاحب الحق في أن يفعل بها ما يشاء، بما في ذلك الإتلاف والقتل، أو لاعتقاده أن الإنتحار حسن جميل أو حتى مباح. وهذا إما أن يكون:
(أ) جاهلًا بحكم الله في المسألة، لم يبلغه بيانها بلوغًا تقوم به الحجة. فهذا معذور بجهله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} ، {رسلًا مبشرين ومنذرين لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ، أو