(ب) عالمًا بالحكم الشرعي إلا أنه شاك فيه، أؤ مكذب له، أو جاحد له، أو رافض له، أو متكبر عليه، أو ساخر مستهزء به، أو غير مبال به. فهذا مشرك كافر، وما هو فيه من الكفر أعظم مما قد يقدم عليه من الانتحار.
وهذا لا يوجد عادة عند أهل الإسلام، ولكن يقل أو يكثر عند غير المسلمين. فأهل اليابان يعتبرون الإنتحار (هارا كيري) في أحوال الفشل أو الهزيمة أو التقصير علامة على الندم، وحفظًا لشرف الذات والأسرة، وينتقدون من لا يقدم عليه في الأحوال الموجبة. وكذلك كان الفلاسفة الرواقيون يتعاطون الإنتحار تأكيدًا للشجاعة، أو لتقرير مسائل أخلاقية، أو لإظهار الاستنكار من ظلم أو غيره. وفي أزماننا هذه انتحر عدد من الرهبان البوذيين بحرق أنفسهم علنًا في الميادين المزدحمة للمدن الكبرى احتجاجًا على بعض الحروب، ومنها حرب فييتنام، واقتبسه منهم عدد قليل من الناس من شعوب وأمم أخرى!
(3) أن يكون عاقلًا بالغًا مكلفًا معتقدًا للحرمة، مستسلمًا من حيث المبدأ للحكم الشرعي، مقر به. هذا هو حال الغالبية العظمى من المنتحرين من أهل الإسلام، وحينئذ يكون الدافع إلى نلك الجريمة واحدًا مما يلي:
(أ) الإصابة بجراحات بالغة مؤلمة، أو مرض شديد مؤلم، أو فقدان الأهل والأحبة، أو خسارة حسيمة في المال والمتاجر، أو غير ذلك من النكبات والكوارث فيضيق الإنسان بالحياة ذرعًا، وييأس من رحمة الله، فيقدم على الإنتحار، أي قتل النفس وإتلافها، متوهمًا الخلاص بذلك مما هو فيه من الألم والمعاناة والشقاء.
(ب) الخوف من الفضيحة، أو الأسر من عدو متجبر، أو الوقوع في يد سلطة تمارس النكال والتعذيب، فيقدم على الإنتحار للإفلات مما هو قادم من الخزي والعار والفضيحة، أو من السجن والنكال.
وليس شيئًا من هذه هي حالة المقدم على عملية استشهادية نكاية في العدو الحربي، عدو الله وعدو المسلمين. فهو طالب لرضوان الله ورحمته، أمله فيهما أقوى الأمل. وهو مقبل على ذكر حسن، فما ثمة فضيحة أو عار يجتنب، بل العار والفضيحة في التخاذل والجبن. هذه حال مخالفة في جوهرها لحال المنتحر الآثم، فلزم أن يكون الحكم مختلفًا.
على أن تضحية الإنسان بنفسه لله، مختارًا، حسن جميل، بما في ذلك الإقدام على العدو منفردًا، على وجه المجازفة والمخاطرة، من غير موجب لذلك كما هو في قصة الأخرم الأسدي، رضي الله عنه، في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي نسوقه بطوله لما فيه من الآيات والحكم:
* كما أخرجه الإمام مسلم في «صحيح مسلم» : [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة وهو بن عمار حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها قال فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جبا الركية فإما دعا وإما بسق فيها قال فجاشت فسقينا واستقينا قال ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال وأيضا قال ورآني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عزلا يعني ليس معه سلاح قال فأعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حجفة أو درقة ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ألا تبايعني يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال وأيضا قال فبايعته الثالثة ثم قال لي يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك قال قلت يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها قال فضحك رسول الله، صلى الله عليه