الصفحة 3 من 4

[الأنفال:72] ، وهذه القوافل لا تعدو كونها وسيلة من الوسائل المباحة، وفي الوقت ذاته فهي في دائرة المستطاع، ومن المقرَّر شرعًا أن الوسائل لها حكم المقاصد، فإذا كان المقصد - وهو نصرة المسلمين المظلومين - مطلوبًا فإنَّ الوسيلة المباحة تكون مطلوبةً شرعًا.

-فإذا قال قائل: بأنَّ المصلحة وراء هذه الوسيلة غير متحققة أو وهمية، فالجواب عليه باختصار: أنَّ تداعيات قافلة الحرية الأخيرة ترد عليه، والمصالح كثيرة ومتعددة لمن فتح الله بصيرته وأنار قلبه.

-وإذا قال قائلٌ آخَر: إنَّ هذه الوسيلة قد تؤدي إلى إلقاء الأنفس إلى التهلكة، فالجواب: أنَّ الوصف الشرعي الصحيح لهذا العمل - أي المشاركة في القوافل والذهاب إلى غزة - أنه جهادٌ في سبيل الله، والجهاد في الإسلام لا يخلو من خسائر بشرية ومالية، وأما الفهم المغلوط لقوله عزَّ وجلَّ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195] يردُّه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - بقوله:"ليس التهلكة أن يُقتَل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله" (يُنظر تفسير الطبري في تفسير الآية) .

-وإذا قال ثالثٌ: موافقة ولي الأمر؟ فالجواب: أنَّ هذا الموضوعَ مسكوتٌ عنه في معظم الأقطار فلا يُسأل عنه، فضلًا عن أن مسألة غزة وفلسطين بأكملها تندرج في جهاد الدفع، حيث إن العدوَّ جاثمٌ على صدر الأمة الإسلامية ويحتاج إلى دفعٍ وصد، فلا يُشترَط له الإذن، قال ابن تيمية:"وأما قتال الدفع فهو أشدُّ أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين, فواجب إجماعًا, فالعدوُّ الصائلُ الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه, فلا يُشترَط له شرط, بل يدفع بحسب الإمكان, وقد نصَّ على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم, فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده" (الفتاوى الكبرى لابن تيمية) ، والقوافل البحرية ضَرْبٌ من الجهاد كما سبق، وإن لم يُقصَد بها القتال ابتداءً، لكن في نهاية الأمر هذه القوافل دعمٌ للمقاتلين في سبيل الله تعالى فتجري عليهم أحكامهم.

-إذن من خلال المناقشة السابقة يتبين أنَّ حكم المشاركة في تلك القوافل البحرية لا ينزل عن مرتبة فَرْضِ الكِفايَة (أي: إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الآخرين) ، ولا مكان للاستحباب في هذه المسألة، لأنَّ نصرة المسلمين بعضهم لبعض واجبة شرعًا كما سبق، ولا وسيلة للنصرة الفاعلة إلا بمثل هذا المخرَج.

ولعل الوجوب يسقط أيضًا بتجهيز تلك القوافل بالدعم المالي خصوصًا لأصحاب الأعذار وغير القادرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت