فهرس الكتاب
الإبتلاء، معنى هداية الكلمات التي تورث اليقين والعمل والاخبات ومعنى زيادة العلم بما تورثه هذه الكلمات من علوم يُفهمها الله أهلها والمستحقين لها، فهذه من حكم البلاء العظيمة، يوقعها الله على أوليائه ومحبيه لتحصل لهم العلوم التي تجيب النوازل وتعالج المعضلات، فإن فهمت فلا تعجب أن يستدل أهل العلم من أهل الفقه والأصول بعدم جواز خلو الزمان من مجتهد لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله ) )وقد جاء وصف هذه الطائفة كما بَيّنَت أحاديث أخرى بالقتال لحديث سلمة بن نفيل الكندي وغيره، فأهل العلم ممن يحصل بهم جلاء المعضلات وفكُّ المشكلات هم أهلُ البلاء الذين لهم مقام الصبر والصدق فيه، وأمّا المتخمون ترفًا فهم أبعد الناس عن الدين وفهمه، إذ خوفهم من ضياع دنياهم يمنعهم من قول الحق والصدع به إن علموه، كما أن على القلوب غشاوة الفهم عن الله في مضايق الطرق وحلول الشبهات، والله - عز وجل - إنما يبقي دينه بمثل هؤلاء الجبال من الأئمة الهداة، يبتليهم ويبتلي بهم، ويقيم بهم الحق في الأرض ما دام لله فيها حاجة من عبادة العابدين وذكر الذاكرين، ولو علم أهل الإسلام ما لهؤلاء من الفضل عليهم بالعلم والبيان والبلاء والصبر لشكروا لهم فعلهم ولحمدوا لهم مواقفهم، ولاستغفروا لهم في كل آن.
فارتباط وجود الأرض بوجود الهداة، ووجود الهداة مرتبط بأهل الصبر والبلاء، وتنزل المعاني والمعارف القرآنية على هؤلاء لأنهم أهل هذا الدين والأمناء عليه، لما يبذلون من أرواحهم وجهدهم من أجله حفاظًا ودوامًا وجلاءً.
وإن من حِكَم البلاء تذوق معنى النعم الإلهية على العبد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( للصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فطوره وفرحةٌ عند لقاء ربه ) )فالفرح بنعمة الله تعالى نعمة إلهية يمن الله بها على عبيده، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} وهكذا للمبتلى في سبيل الله تعالى فرحتان؛ فرحةٌ عند انقضائها برحمة الله تعالى في إجابة الدعاء وفرحةٌ عند لقاء ربه، فيحصل للعبد من تذوق النعيم أن نصره الله وفرج عنه فالله به عليم، فهذه معاني القلب لا يبصرها إلا أهلها ممن يبذلون الغالي والنفيس من أجلها، وإن نوزعت بالذهب والتعب غلبت وقدمت بلا توقف منهم رغبة بها وحرصًا عليها.