فهرس الكتاب
والنعيم الحاصل بعد البلاء له ذوق خاص لا يدركه من تتابع عليه ولم يفقده، وإن المرء ليحس بهذا المعنى حتى إنه لو خير أن يعود للبلاء ليرى تلك المعاني لما تردد، وهذا من حكمة الله تعالى في الشكر وتحققه في قلب عابديه، فإن تقلبهم بين الصبر والشكر هو ما يحقق العبودية الصادقة بكل معانيها فما أجهل من يترك الحق مخافة حصول البلاء ورهبة من أن يفقد ترفه المرتكس به، وإن يأسهم وعدم تصديقهم بوعود الله بالنصر وإجابة الدعاء هو ما يمنعهم من خوض الغمرات في أمانة الحق والدعوة إليه والجهاد في سبيله، بل إن أحدهم لا يتصور أن يعيش بغير أفراد هذا الترف، مع أن هذا وهم شيطاني، فكم من الصالحين كانوا في خوف من البلاء، يرتعبون ويرتعشون إذا ذكر لهم، حتى إذا وقعوا فيه وصبروا وعالجوه بالصبر واليقين والدعاء فتح لهم من المعني والقوة ما شكروا الله عليه أن أذاقهم هذه المعاني وأوقع بهم هذه الرحمات، ولذلك صدق من قال:
لك الحمد إن بعض الرزايا عطاء ... وإن المصائب بعض الكرم
ففرحة انجلاء الغم وذهاب الألم وارتباطها بالفهم من الله تعالى بالشكر، والتفكّر أن الله أجاب الدعاء وحقق المراد هو من أعظم النصر الذي يسعى إليه أهل الفهم عن الله تعالى وعن كتابه، خاصة بما يخرجون به من القوة والعلم والتجربة، وهو غنائم تلك التجربة الإيمانية، والتي لم تكن لتقع إلا بالبلاء والصبر فيه.
إن المُبتلى ليلاحظ السوانح، ويرقب الرؤى، ويتفكر في الحوادث والوقائع، فللكلمات ذوق، وللسوانح إشارات، وللرؤى ترقب، وللحوادث معاني، فالعقل نشط يقظ، والقلب يبصر في الصحو والمنام، والواردات تطوف به في كل آن، فهذه من آية قرآنية، وأخرى من حديث نبوي، وتالية من حكمة سالفة، ولخفقة الطير معنى، وللحوادث سمات يتوسم بها، كل هذا كان في غفلة عنه قبل هذه الرحلة مع فتنة الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكنه فيها مبصر يقظ.
فيا لله كم هم الجهلة الجبناء في غفلة عن هذا كله، ويا لله كم له من جنود في الخفاء يبسط عليهم رحمته، حين تغلق الدنيا عليهم بابها فينفتح عليهم من الأبواب التي هي سر بينه جل في علاه وبينهم في صبرهم وفهمهم وجهادهم.
هذه أخي أبا عبد الله ما جاء به القلم إجابةً لطلبك، قد قصرت في وصف هذه المكارم الإلهية أيما تقصير، فإن المعاني الجليلة تحتاج إلى عين صقر ترقبها