فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 22

طائعًا، فكيف إذا كان في ترفه بعيدًا عن الطاعة بالكلية، ولهذا المعنى كان الصالحون يحبون البلاء لما يحسونه من معاني الفقر وصدق الدعاء والاستغاثة، ولو لم يكن في البلاء إلا هذا المعنى لكفى، فإن العبادة مقصود الرب في الوجود، ومقام العبودية لا يتحقق إلا بالذل والإخبات والإنابة، فلهذا كان البلاء هو أعظم مقام يلزم العبودية، ولا يتخلف عنها البتة كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثَلُ فالأمثل ) )وكقوله (( يُبتلى الرجل على قدر دينه ) )؛ فإن فهمت هذا أدركتَ أن العبودية لله تعالى ابتلاء، وهي كذلك نعمة عظيمة، وحين يعسر على المرء فهم هذه المناقضة بين البلاء الذي تكرهه النفس وبين العبودية التي يحصل بها قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} يرى أن هذا الحوار؛ فبالبلاء الذي تكرهه النفس يحصل القرب لرب العباد بالدعاء والاستغاثة، وهذه لها معاني النعيم في قلب المؤمن، ويحصل بها ذوق الإيمان والشعور به مع المتعة به، وهذا كله في مقام واحد لا يشعر به ولا يفهمه إلا من عاناه وعاشه وتقلب فيه.

فبالبلاء تحصل العبودية القائمة على التذلل والسؤال والاستغاثة، كما هو حال أيوب ويوسف وإسحاق وزكريا - عليهم السلام -، وذلك فيما وقع لهم من البلاء البدني والعائلي، وغيرهم من البلاء الذي حصل لهم في نفوسهم وأهليهم كحال إمام الحنفاء إبراهيم - عليه السلام -، وما من نبيٍّ إلا وابتُلي في دعوته إلى الله من قومه كما هو مبسوط في كتاب الله تعالى، وقد كان هذا البلاء بكل أنواعه سببًا للعبودية والسؤال والإخبات والإنابة، فإن المكسور الضعيف هو من يليق به وصف العبد دون سواه، وهذا الوصف لا ينزع إلا بتخلف شعور الضعف والاستكانة والانكسار، وهذه العبودية التي تحصل بهذا المعنى هي العبودية الصادقة، لأنها عبودية قد ابتليت وفتنت ففيها الصدق في السؤال والرجاء واليقين، فشتان بين من يسأل وهو على الفقر والضعف والحاجة والابتلاء وبين من يسأل وقد ذهب عنه كل هذه المعاني.

فهذه أول فوائد البلاء وهو القربُ من الله تعالى بتحقق معنى العبادة لله تعالى، ولذلك كانت لازمةً من لوازم الطريق، دون النظر إلى مقام النفس معها، أتحبها أم تكرهها، فليس هذا مقصود العبادة، فهناك من يحب هذا المقام ويحصل له الأنس به، بل هناك من يتمناه ويرقبه، وآخرون يكرهونه ويخافون وقوعه ولا يحبونه، فإن وقع صبروا عليه ولم يزدهم وهم وقوع فيه إلا ثباتًا على الحق وكثرة دعاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت