فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 22

بأن ينجيهم الله منه، وكلا الفريقين محسن مخبت، فهذا من مقام الشكر وآخر في مقام الصبر والله يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} .

إن من فوائد الابتلاء والِمحَن ثبوت صدق الدعوى، فإن الدعاوى إن لم يقم لها بنيات فأبناؤها أدعياء، وهذا معنى قرآني جليل فالله يقول: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ? وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} وهذا معنى قد تكرر في القرآن، فإن النعيم يبتلى به مقام الشكر، فإن حصل هذا المقام فقط دون غيره لم يحصل الكمال، ولذلك كان مقام الصبر وهو الذي لا يحصل إلا بالبلاء، وبهذين الدليلين يحصل صدق الدعوة، ومن فقه هذا من أهل القلوب علم أن الابتلاء هو خير الفرص لتحقيق مقامات الصدق مع الله تعالى، فإن وقع البلاء فرح به على هذا المعنى، وهو قريبٌ من قول الصحابة - رضي الله عنهم - في الأحزاب: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} ، وهو من قول أنس بن النضر عم أنس بن مالك:"لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع."فنزل قوله تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ، وفي مثل هذا الظرف والبلاء ترتفع قيمة الحسنات والطاعات ويقع عليها قوله - صلى الله عليه وسلم: (( العبادة في الهرج كهجرةٍ إليّْ ) )ولقد كان الابتلاء كالكير يدخل إليه الذهب والزيوف، ولا يعرف الفرق بينهما إلا بالنار، حيث تثبت حقائق الأشياء، ولهذا المعنى كانت ضرورة الإبتلاء حتى لا يكون مع هذا الدين الخبيث، فيفسد الدنيا والدين، والله يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} ، وفي هذه الآية بيان أن بلاء الإيمان لا يكون إلا في هذين الطرفين؛ الجهاد والصبر، وفي زماننا هذا لا يعرف الصبر إلا بالحبس والقيد، فالله تعالى ييسر للبعض سُبُلَ الجهاد فيُقتَل أو يُصاب أو يُرهَق، فإمّا أن يثبُت ويحمُد ويشكُر، وإمّا أن يَفِرَّ ويَنتكس، وقد رأينا هذا الحال في أقوام، فلا يُحسَد ويُغبَط كُلَّ مَن يَسَّرَ الله له الوصول إلى مواطن الجهاد، بل يحمُد ويَشكُر من ثَبُتَ وصَبَر، وهناك من يحبسه الله بالقيد والسجن عن الوصول إلى أرض الجهاد، فحاله كحال المجاهد، ويُبتلى بما يُبتلى به بلا فرق إلا أن المجاهد يشفي غيظه من عدوه، بخلاف الأسير فهو مقهور، فإن ثبت خرج كالذهب الأصيل، وقد يكون هذا - وهذا كثير - أي القيد سببًا لتحضير المرء لمواطن أخرى من الخير تحصل له الإمامة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت