فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 22

والعبد الصالح لا اختيار له مع سيده، فإن وضعه الله في الجهاد صبر وثبت وشكر فكان خيرا له، وإن وضعه في الصبر ثبت واستغل وقته في العبادة والنظر والارتقاء فكان خيرا له، فبالحالين يقع إثبات صدق دعوى الإيمان والتسليم لرب العباد، ومن فهم الابتلاء على هذا المعنى صبر وثبت ورضي بما قسم الله تعالى له، وإن فاته هذا المعنى ضعف وربما انتكَس، ولا يستقيم هذا المعنى في قلب العبد إلا أن يفقه أنه ما خلق إلا لعبادة الله، وأن الدنيا بكل ما فيها دار ابتلاء كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وأمّا بهائم البشر ممن يظن أن الحياة الدنيا هي للترف والتنعم واتباع الهوى فهؤلاء أبعد الناس عن هذه المعاني، نعوذ بالله من الخذلان.

ولتقوية هذا المعنى في القلب فإن من الخير أن يعظ المرء نفسه بأجر الأعمال الصالحة في وقت البلاء، وأنها تضاعف، بل تكون الأعمال العادية الطبيعية الجبلية طاعات يكتب أجرها للعبد حال الابتلاء وهذا يؤدي إلى معنى آخر يُبَيّن فوائد وضرورة البلاء والامتحان في سبيل الله تعالى، قال ابن الجوزي:"إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلس عنك فاعلم أنه لطف بك، لأن المنعم لم يقبضه بخلًا أن يتمزق، ولكن رفقًا بالساعي أن يتعثر."

يقول - صلى الله عليه وسلم: (( ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر ) )، ويقول - صلى الله عليه وسلم: (( ما من مسلمٍ يصيبه أذى، شوكة فما فوقها إلا كَفَّرَ الله بها سيئاته وحطّت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها ) )، فهذا الحال وهو حال البلاء، به يحصل مقام الصبر يرتقي به المرء إلى مقامات ويحصل له به من الحسنات ما لم تحصل في أي حال آخر، فكما أن المرء يحتاج إلى الصلاة لتغسل ذنوبه، فكذلك يحتاج للبلاء لتحصل له الدرجات والحسنات، فإن فهم المرء هذا المعنى فهم معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ) )، فالخوف ليس على المُبتلى، إنما الخوف على من مات ولم يصب في حياته ببلاء، فإن الأول تحط خطاياه، فيأتي يوم القيامة سليمًا منها، معافى من السؤال عنها، وأما الثاني فإنه يأتي معها وهي محيطة به، والعاقل قد يتعب نفسه رجاء الصحة أو المال والغنى، فيتعب وينصب لا لذات التعب والألم لكن لما ينتج منها من العاقبة، فالله إن أحب عبدًا وأراد له مقامًا عظيمًا من الخير في الآخرة وضعه في مقام الصبر الذي قال الله تعالى فيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت