فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 126

فإذا تجاوزنا مرحلة طلب النسل وضرورة التصدي لمحاولات تحجيمه جاءت المرحلة الثانية التي اعتنى الإسلام بها ألا وهي مرحلة حفظ الجنين كما تقدم في حديث دية الجنين، ولقد بدأ الاسترسال في مسألة الإجهاض يستشري في مجتمعاتنا، والمؤسف أن بعض الفتاوى المعاصرة قد استرسلت في الإفتاء بالجواز بناءً على تعليلات لا يصح اعتبارها شرعًا، ولعل من يتأمل حديث الغامدية حيث أتت الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت:"يا رسول الله طهرني"فقال:"ويحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه"فقالت:"أراك تريد أن تردَّدني كما ردَّدت ماعز بن مالك؟"قال:"وما ذاك؟"قالت: إنها حبلى من الزنا. فقال:"أنتِ؟"قالت:"نعم". فقال لها:"حتى تضعي ما في بطنك". قال: فكفلها رجلٌ من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"قد وضَعَت الغامدية". فقال:"إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يُرضعه"فقام رجلٌ من الأنصار فقال:"إليَّ رضاعه يا نبي الله"قال: فرجَمَها. (1) ، والشاهد في هذا الحديث العظيم أن الغامدية قد استحقت إقامة الحد عليها بالرجم لإقرارها بالزنى وهي محصنة، ولكن لمَّا علم رسول الله صلى الله عليه سلم أنها حبلى أجَّل إقامة الحد إلى ما بعد الولادة حفظًا للجنين الذي لا ذنب له، ومعلوم أن إقامة الحد بعد ثبوت موجبه واجبٌ لا يملك أحد تأخيره أو تعطيله إلا لعذر معتبر شرعًا، فلما أجَّل الرسول صلى الله عليه سلم إقامة الحد علمنا أن حياة الجنين معتبرةٌ شرعًا، ولمَّا لم يسأل صلوات الله وسلامه عليه الغامدية عن عمر الحمل مع احتمال أن يكون قبل الأربعين يومًا أو المائة والعشرين يومًا - وهو عمر نفخ الروح في الجنين - علمنا أن حياة الجنين معتبرة في كل مراحلها، لأن القاعدة في الأصول أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال دليل إرادة العموم في المقال، فاعتبار حياة

(1) صحيح مسلم - كتاب الحدود - باب من اعترف على نفسه بالزنى - حديث 1695

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت