فهرس الكتاب
إن الباحثين في مقاصد الشريعة الإسلامية يقرنون مصلحة العرض والنسل عادةً بسبب التلازم الحاصل بينهما، ولئن كان هذا التلازم يكاد لا ينفك في القديم، فإن الأمر اليوم قد لا يكون كذلك في بعض الحالات، نتيجة ما تفتقت عنه آلة العلم من تقنيات تسمح باستكثار النسل بمعزلٍ عن المعاشرة المباشرة التي قد تتهدد العرض، ففي القديم كان الزنا هو المتصور حين الكلام عن تهديد مصلحة العرض والنسل، حيث تُنتهك الأعراض المحرمة وتضيع الأنساب، أما اليوم فلقد أصبح تضييع الأنساب متصورًا بدون التلازم مع انتهاك العرض مباشرةً بالزنا، وهنا تبرز أهمية وعي الطبيب المسلم تجاه اعتبار مصلحة النسل والنسب في شريعتنا الغراء ولو لم تُنتهك الأعراض مباشرةً بالزنا، وبالمثال يتضح المقال؛ حيث إن التقنة العلمية الحديثة التي سمحت بطلب النسل عن طريق ما يسمى أطفال الأنابيب قد قدمت لنا قالبًا واقعيًا يُتصور من خلاله تضييع الأنساب دونما انتهاك العرض بالزنا، وذلك نتيجة الخطأ المخبري غير المقصود الناتج عن تداول ماء الرجل وبويضات المرأة، أو الخلط المتعمد في بعض المختبرات والمراكز التي قد تستعمل ماء رجل خصب أو بويضات امرأة خصبة من زبائنها لتحسين نتائج الإخصاب عند زبائن آخرين، وهذا كله مما لا يشك عاقل في إمكانية حدوثه بل ومما تدلل الوقائع والمشاهدات على حدوثه فعلًا، ولئن كانت بعض الفتاوى المعاصرة التي ترى جواز بعض صور أطفال الأنابيب (كالتي تكون من ماء الزوج والزوجة وفي رحم نفس الزوجة حصرًا) تُغفل واقع الاسترسال في التطبيق والممارسة والتهاون في الشروط والقيود التي تضعها الفتيا للقول بالجواز، وإذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد المحاذير الشرعية المتعلقة بطلب النسل عن طريق أطفال الأنابيب (1)
(1) وأشد هذه المحاذير خطورةً التهاون في كشف العورة المغلظة بغير ضرورة وليس طلب النسل ضرورة شرعية بالنسبة للأفراد، نعم هي ضرورة بالنسبة للنوع الإنساني أما الأفراد فإن حياة الواحد منا لا تتوقف على حصول الولد والإنجاب، فتأمل.