فهرس الكتاب
وخلاصة الأمر أن الهدر المالي في مجال الصحة يكون بإنفاق ما لا يلزم أو بتقديم ما يقبُح تقديمه من المصاريف الصحية على حساب أولويات أشد حاجةً للمجتمع، لا سيما إذا كانت هذه الأولويات أكثر انتشارًا وأعم بلوى من غيرها، فليتأمل الطبيب الحاذق هذا كله، وليعلم أنه مسؤول عما في يده وعهدته، وليس عليه وزر ما يهدره غيره من مال، وليست عليه تبعة سفاهة غيره من المتصرفين بأموال الأمة،وحذار أن يغري بك استهتار الغير كائنًا من كان بحرمات أموال المسلمين مهما كان الزمان ومهما كانت الفتنة، وتأمل معي حديث إمامنا وقدوتنا صلوات الله وسلامه عليه:"إنها ستكون بعدي أَثَرة وأمور تنكرونها"قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال:"تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الذي لكم" (1) ، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم:"فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (2) ، والشاهد هنا أن على الفرد أن يؤدي ما عليه وفق ضوابط الشرع مهما فسد الزمان، ومهما قصَّر غيره ومهما تقالَّ أثرَ قيامه بدوره، إذ أن ذمته لا تبرأ إلا بأداء ما عليه، وليس بمؤاخذٍ عن تقصير غيره، فعليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حمِّلتم، ولو أن كل طبيب في المشفى يصرف دواءً لا حاجة لصرفه ولم يبق إلا أنت فلا تكن إمعةً ولا تغتر بكثرتهم، بل اعلم أن عليك أن تتقي الله فلا تصرف هذا الدواء وتهدر هذه الفلوس مهما استحقرتها لأنك مسؤول عنها، ولأنها داخلة ضمن حرمات المسلمين، فتأمل رعاك الله ثم تساءل: كم من أموال المسلمين قد أهدرت إلى اليوم، ثم ليجهش أحدنا بالحسرة والندم وليُصلح حاله في هذه الأمانات، ورضي الله عن الفاروق عمر حين تقلد أمر المؤمنين فقال: وإني جعلت نفسي من أموالكم بمنزلة الوصي من مال اليتيم،
(1) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة - حديث 1843
(2) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة - حديث 1842