فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 126

فإذا عُلم ما تقدم تمحض لدينا لنا السؤال عن أنواع الأدلة التي تتعلق بعلوم الطب، لا سيما وأن الأصوات والدعوات تتوالى علينا تترى معاشرَ الأطباء من أجل ممارسة ما يُسمى"الطب القائم على الدليل"، ولعمري إن هذه الدعوة قد جاءت عند القوم المتبجح بحضارته متأخرةً الشيء الكثير، ولقد بينّا لك سبْق القرآن الكريم في تقرير أسس العلم المقبول - أعني النقل الصحيح أو العقل الصريح أو هما معًا - فهل أدلة علوم الطب المعتبرة هي أدلة العقل فحسب أم أدلة النقل فحسب أم دليلهما معًا؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال أقول - وبالله التوفيق - إننا حين نؤصل للمنهج العلمي الطبي مفتتحين بالنصوص الشرعية فإننا لا نقصد تزيين كتب الطب وجدران المشافي ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما أننا لا نتكلم عن طبٍ بديل كما يشيع اليوم الاصطلاح على أساليب المعالجة غير التجريبية كالطب الشعبي ونحوه، وإنما نتكلم عن التأصيل العلمي الشامل المستوعب للأدلة العلمية التي خوطبنا بها، إننا نتكلم عن الطب الأصيل حقيقةً، وهذا ما يجب أن يدركه كل طبيب مسلم اليوم؛ فالطب الأصيل هو الذي يراعي شمولية المنهج وشمولية احتياجات المريض، ولا يوجد تضاد في الحقيقة بين الطب النبوي وبين الطب التجريبي المنضبط بل إن الأخير يندرج في الأول ولا عكس، وبيان ذلك أن ما ورد عن طريق الشرع من أدلة تتعلق بمسائل الطب ينقسم إلى نوعين؛ أحدهما عام يتعلق بأصول الشرع المقرِّرة لمبادئ المداواة والموجِّهة للإنسان كي ينظر ويجرب ويستخرج مما سخره الله تعالى له في الكون من وسائل علاج ودواء ونحوه، والثاني خاص ورد في بيان أدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كنموذج تطبيقي لمبادئ العلاج العامة، بل قد يكون لذكر هذه الأدوية الخاصة هدف تشريعي مؤداه أن يبين الشارع للمكلف أنه لا بأس في تعاطي أسباب معينة للاستشفاء من أمراض معينة، وأن هذا لا ينافي التوكل ولا يعارض القدر ولا يمنعه الشرع،كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت