فهرس الكتاب
بمعنى أنك تجد في مجموع ما ثبت من النصوص الشرعية أصولًا عامة لمبادئ الطب مع جملة يسيرة من تفاصيل العلاج والاستشفاء، في حين تُرك تفصيل واستكشاف تفاصيل الأدوية والعلاج للعقل البشري يشاهد ويستنبط ويستفيد من تسخير الله تعالى لهذا الكون الفسيح له. ويجدر بنا أن نشير في هذا المقام إلى كلامٍ نفيس للحافظ ابن حجر في شرح مقدمة كتاب الطب للإمام البخاري، يقول عليه رحمة الله:"فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى إلى تفريقِ ما يضر بالبدن جمعُه أو عكسه (1) ، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه (2) ، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة والاحتماء عن المؤذي واستفراغ المادة الفاسدة، وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن ؛ فالأول من قوله تعالى"فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيام أُخر" (3) وذلك أن السفر مظنة النصَب وهو من مغيِّرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفِطر إبقاءً على الجسد، وكذا القول في الثاني وهو الحمية من قوله تعالى:"ولا تقتلوا أنفسكم" (4) ، فإنه استُنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، والثالث من قوله تعالى:"أو به أذى من رأسه ففدية" (5) فإنه أُشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي مُنع منه المحرم لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس" (6) اهـ. قلت: فهذه كما ترى أمور ومبادئ مجملة، وليس القرآن الكريم ولا السنة النبوية كتاب طب أو صنعة أو مهنة، وإنما هو كتاب توجيهٍ وإرشادٍ، فحسبك أمثال هذه النصوص من القرآن الكريم كي تنطلق في رحاب الكون الفسيح منقبًا عن نواميسه، مسخِّرًا لما فيه من أسباب قدَّرها الله تعالى لتكون مقدمات البرء أو وسائطه بإذن الله، وما هذه التفاصيل
(1) أي جمع ما يضر بالبدن تفريقه
(2) أي زيادة ما يضر بالبدن نقصانه
(3) سورة البقرة - آية 184
(4) سورة النساء - آية 29
(5) سورة البقرة - آية 196
(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري - الحافظ ابن حجر العسقلاني - كتاب الطب