فهرس الكتاب
والجزئيات المتجددة يوميًا في عالم الطب إلا ثمرة من ثمار نعم الله تعالى علينا، لولا أنها يعوزها التنقيح والتجريد لفصل الصالح من الطالح كما هو موضوع هذه الرسالة.
ثالثًا: دليل النقل حاكمٌ على دليل العقل:
ولكن تبقى لمسألة العلاقة بين النقل والعقل أهميةٌ خاصة لمن عزم على هذه الانطلاقة - أعني الاستكشاف العقلي التجريبي - ألا وهي دور النقل في وضع ضوابط وحدود البحث والتطبيق العقليين ؛ فلا يجاوز حدود الحلال إلى الحرام، ولا يأتي بمنهجٍ أو طريقٍ علاجي يعارض أوامر الشرع أو يقارف مناهيه. تأمل معي ما ورد في الحديث أن طارق بن سويد الجُعفِي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها ، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال:"إنه ليس بدواء ولكنه داء" (1) ، وذكر البخاري في صحيحه بتعليقٍ جازم:"قال ابن مسعود في السَّكَر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حُرِّم عليكم" (2) ، والشاهد من هذه النصوص أن على الطبيب المسلم أن يلتزم في منهج البحث العلمي التجريبي أمرين؛ أحدهما الانطلاق من قواعد الشرع الثابتة فلا يتقحم الحرام ابتداءً، وثانيهما أن ما قد يتوهمه البعض من وجود الشفاء في المحرمات ليس إلا وهمًا باطلًاَ، لما تقدم من أن الله تعالى لم يجعل الاستشفاء المباح في ما منعته الشريعة من الحرام وإلا كان هذا تناقضًا من جهة الشارع وهو ممنوع قطعًا، والنكتة في المسألة أن تعلم أن ما قد يُتصور من نفع طبي في مادةٍ محرمة قد تكون موجودة في الواقع وفي نفس الأمر، ولكنها تُعتبر مصلحة أو منفعة ملغاة بحكم الشرع فلا يُلتفت إليها، أي أن وجودها وعدمه سواء، ودليل هذا قوله تعالى في الخمر والميسر:"قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر نفعهما" (3) ، فالنص يثبت وجود منفعة يسيرة ولكنها ملغاة،ومعلوم أن حكم الشرع
(1) صحيح مسلم - كتاب الأشربة
(2) صحيح البخاري - كتاب الأشربة - باب شراب الحلواء والعسل
(3) سورة البقرة- آية 219