فهرس الكتاب
قد استقر على تحريمهما فلم تلتفت الشريعة إلى هذا النفع اليسير وأسقطته من الاعتبار. وهذه الضوابط كما تنطبق على وسائل الاستشفاء فإنها تنطبق أيضًا على النظريات الطبية، فلا يمكن قبول نظرية طبية تصادم النصوص الثابتة، ولا يمكن جعل هذه النظريات منطلقًا لأي منهج علاجي البتة.
ولعل من المناسب في هذا المقام أن نشير إلى بعض النماذج التطبيقية للخلل الناجم عن عدم الانضباط بضوابط الشرع في مجال الوقاية والعلاج والنظرية والبحث الطبي ؛ فأما أنموذج الوقاية فمنه ما تروجه بعض الدوريات الطبية من نتائج أبحاث تشير إلى دورٍ وقائي للخمر من بعض الأمراض، وأما أنموذج العلاج فمنه إيهام الأطباء والناس عمومًا أن علاج مصيبة الأمراض المنتشرة جنسيًا يكون بتحسين وسائل الاتصال الجنسي المحرم، ومعالجة آثاره بالعقاقير دون الالتفات إلى العلاج الجذري لهذه المصائب، وأما في مجال النظرية العلمية فحسبك فضائح الفرويدية وفضائح المؤصلين للشذوذ الجنسي باعتباره"سلوكًا بشريًا طبيعيًا"خابوا وخسروا، وأما في مجال البحث الطبي فها نحن نسمع ونرى كل يوم ما تتفتق به عقول ومختبرات القوم ممن لا ينضبطون بحدٍ شرعي، ولا يقفون عند حدٍ في أبحاثهم، فمِن استنساخ جنينٍ بشري إلى التلاعب بمورثات الأجنة إلى استئجار الأظآر وهكذا. ولا يخالنَّ أحد أن مقصودنا الحجر على البحث العلمي كلا، بل المقصود الانطلاق من قواعد علمية سليمة - بما في ذلك القواعد العلمية الشرعية - والانضباط بحدود المباح والمشروع، حتى لا نواجَه بنوازلَ فقهية وانحرافاتٍ تطبيقية، ثم نتهافت على دور الفتوى بحثًا عن مخارج فقهية لنوازل غريبة عن عقيدتنا ومنهجنا وشريعتنا.
فصل: تحرير القول في التوثق من أخبار علوم الطب التجريبية: