فهرس الكتاب
براءة الصدر من الغل والبغض والحسد: ... ... ... ... ... ... ... وهي - أي البراءة مما تقدم - من أصعب الأخلاق تكسبًُّا لمن لم يُجبل على شيء منها، وهي مع ذلك قابلة للاكتساب، ومحل التكسب منها هو الأخذ بالأسباب والمقدمات الموصلة إليها، فما من خُلُق محمود جِبلةً وطبعًا إلا وللمسلم طريق إلى تكسبه، كما دلت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة كقوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا" (1) فأمر بالمصابرة لمن لم يكن له الصبر طبعًا منقادًا، فتنبه. ولكن قبل الحث على أخذ أسباب الارتقاء بالنفس إلى مدارج هذه الأخلاق، لا بد لنا من تقريرها والنظر في مكانتها في شرعنا الحنيف، فأما التبرؤ من الغل فأخذناه من قوله تعالى:"والذين جاءوا مِن بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (2) ، وأما النهي عن البغض فمن نهي النبي صلى الله عليه وسلم:"ولا تباغضوا" (3) ، وأما النهي عن التحاسد فمن توجيه الشرع بالاستعاذة من شره:"ومن شر حاسد إذا حسد" (4) ، وحديث:"ولا تحاسدوا" (5) ، وقد يُشكل عليك هاهنا حديث عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا حسد إلا في اثنتين ؛رجلٌ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها" (6) إذ قد ورد النهي العام على الحسد في موضع وأبيح في موضع آخر، والحقيقة أنه لا إشكال أو تعارض البتة، فبالتدبر في سياقات النصوص تدرك أن الحسد المنهي عنه بإطلاق هو الحسد المذموم الذي يقوم على تمني زوال النعمة عن الغير وعدم الرضا بما فضل الله به بعضًا على بعض، أما
(1) سورة آل عمران - آية 200
(2) سورة الحشر - آية 10
(3) جزء من حديث - صحيح البخاري - كتاب الأدب - حديث 5604 ، وسيأتي بتمامه إن شاء الله
(4) سورة الفلق - آية 5
(5) الحديث السابق ،انظر رقم 17
(6) صحيح البخاري - كتاب العلم - حديث 71