فهرس الكتاب
الستر على زملائه الأطباء: ... ... ... ... ... ... ... إن من المعلوم أن مجال الطب مجال اجتهاد واسع، وقد يجانب الطبيب التوفيق أحيانًا في اختيار علاج أو تشخيص حالة أو قد يستعصي عليه الأمر بالكلية، بل قد تقع منه أخطاء يسيرة لا تضر في نفس الأمر، فيجب على الطبيب الذي يقع على شيء من أخطاء زملائه التي لا تضر في نفسها أن يستر على أخيه بما لا غش فيه للمريض ولا ضرر، بخلاف ممارسة بعض الأطباء الذين لا يلبثوا أن يكتشفوا زلة يسيرة لطبيب آخر حتى يبادروا إلى تجريحه واتهامه في علمه وفهمه وتوهين ثقة المريض به، ويتظاهر هذا المجرِّح بأنه يريد مصلحة المريض بل ووجه الله أحيانًا، وهو في حقيقة الأمر لا يريد إلا إسقاط ذاك الطبيب من عين المريض، عسى أن يعزز ذلك التجريح من مكانته هو في عين المريض والمجتمع، وغاب عن هذا المسكين فضلٌ عظيمٌ هو خيرٌ له من حطام الدنيا الذي يلهث وراءه، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (1) ، وأعود فأنبه إلى أن محل الستر ها هنا هو فيما لا يضر بالمريض مما هو مسلكٌ سائغ في مجال الطب وإن كان خلاف الأولى، أو كان خلاف مسلك طبي آخر مما هو مغتَفَر في نفس الأمر، أما إذا كان الخطأ مما يضر بالمريض أو يستلزم كشفه له فمحل الستر هنا هو عدم الإفراط وتجاوز الحد في اتهام الطبيب، وإنما البيان على قدر الحاجة، فتنبه إلى هذا الخُلُق فإنه بين الأطباء اليوم نادرٌ جدًا.
(1) صحيح البخاري ، من حديث عبد الله بن عمر برقم 2262