فهرس الكتاب
مما لا شك فيه أن حالات المرض مظنة لصدور بعض التصرفات التي لا تصدر عن أصحابها في أحوالهم المعتادة، وإنما تقع في ظروف المرض كالشدة النفسية المرافقة لبعض الحالات الخطيرة والحرجة، أو عدم تمام الوعي في بعض الأمراض التي تؤثر على سلامة التفكير والوعي ولو بصورة عابرة أو يسيرة، وغير ذلك مما هو معلوم لدينا معاشر الأطباء، قلت: إن بعض هذه التصرفات قد تسيء إلى الطبيب إما إساءةً معنويةً كصراخٍ وكلامٍ جارحٍ أو تهمة أو حتى بذاءة في بعض الحالات، وإما إساءةً جسديةً لا سيما عند فاقد التصرف السليم لخلل عابر أو مستقر في وظائف الدماغ كالذين يعانون من بعض حالات العته أو بعض الحالات النفسية أو الأطفال الذين ربما يركلون ويعضون الطبيب أو الممرض في بعض الحالات! فلا بد للطبيب والحال كذلك من أن يراعي قدر السلامة له ولفريقه الطبي ولمريضه اتقاءً للأذى الجسدي بالدرجة الأولى، وذلك غالبًا ما يتحقق بكسب ثقة المريض والتدرج في مقاربته وتطمينه وإعلامه بكل ما يتم إجراؤه ما تيسر ذلك، وهذا كله مما يتعلمه الطبيب في دراسته وواقعه مما لا حاجة لكثير تفصيلٍ فيه، ولكني أحببت أن أنبه إلى ما يجب أن يتحلى به الطبيب المسلم من خُلُق في تعامله مع هذه الإساءات، سواءٌ أكانت متعمدة أم غير متعمدة، فهذا المريض له علينا حقوق أصيلة من جهة كونه مسلمًا فلا يَحلُّ تضييعها بحجة هذه الممارسات التي قد تصدر عنهم، ومن أجمع ما ورد في سياق تقرير حقوق المسلمين بعضهم على بعض قوله تعالى:"محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" (1) ، وقوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا مَن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين" (2) ، وقوله تعالى موجهًا نبيه صلى الله عليه وسلم:"واخفض جناحك للمؤمنين"، (3) والحاصل من هذه النصوص أن
(1) سورة الفتح - آية 29
(2) سورة المائدة - آية 54
(3) سورة الحجر- آية 88