فهرس الكتاب
الاحتياط ألا يأخذ بالرخصة من هؤلاء مطلقًا، وإنما يعني التثبت وربما عرض الحالة على غير من مضت صفتهم ممن هم أمناء في الدين والمهنة (1) .
ثانيًا: ما يتعلق بأحكام شرعية جديدة مترتبة على أحوال المريض:
فالطبيب يطلع بطبيعة المهنة على دقائق في حياة المريض قد لا يتنبه إليها غيره أو لا يطلع المريض غيره عليها، فحريٌ به أن ينبه مريضه على ما تلبَّس به من أحوال قد تترتب عليها أحكام شرعية يحتاج إلى مراعاتها؛ ولعل من أدق هذه المسائل التي تعم بها البلوى وتستشكل على كثير من الناس بل وتحير أهل العلم أحيانًا ما يتعلق بالدماء الطبيعية عند النساء، وقمنٌ بالطبيبة التي تصدت لهذا التخصص أن تكون ملاذًا لمريضاتها، تحل إشكالهن وتبين ما أبهم عليهن، وإن كان لها علم بحكم الشرع نبَّهت وإلا وضحت لمريضتها صورة المسألة حتى تُحسن الاستفتاء، لا سيما وأن في هذه المسائل من عامل الحياء والخجل ما قد يعيق وضوح التصوير عند عرض المسألة، وهاتيك أمُّنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها تفتي النساء وتعلمهن ما يتعلق بأخص خصوصياتهنَّ، ذكر البخاري رحمه الله في باب إقبال المحيض وإدباره: وكنَّ نساءٌ يبعثن إلى عائشة بالدُرَجة فيها الكُرسف فيه الصُفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصَّة البيضاء، تريد بذلك الطُهر من الحيضة (2) . قلت: رضي الله عنها وأرضاها ما أحرصها على دين المسلمين وعبادتهم، كيف لا وهي الفقيهة الصدِّيقة بنت الصدِّيق. والشاهد هنا أن بعض هذه الأمور مما يتعرض له الطبيب أو الطبيبة يتعلق بها وجهان؛ أحدهما دقة الأمر من جهة تصوُّره
(1) ولهذا الأمر ضوابطه الفقهية عند العلماء فيرجع إليها في مظانها أو يستفتى فيها أهل العلم
(2) صحيح البخاري - كتاب الحيض - الدُرجة: القطنة ونحوها تحتشي به المرأة في موضع الحيض. الصفرة: أثر الحيض وهي في زمن الحيض حيض وأما خارج زمن الحيض فليست بشيء، والقصة البيضاء: أي القطنة البيضاء دليل انقطاع أثر الحيض