فهرس الكتاب
لقد تقدم معنا في غير موضع أن الطبيب بحكم مهنته يطلع على ما لا يطلع عليه غيره من خصوصيات المريض، وهو بهذا مخاطَب على وجه أخص بعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (1) ، فأما الإنكار باليد مع المريض فلا ريب أنه يفتقر إلى سُلطة، ولا يصح أن يبادر به الطبيب بغير سلطة يخوله إياها ولي الأمر أو من يقوم مقامه - كوزير الصحة مثلًا - أو إذن المريض ... نفسه، فمثال الأول أن يأذن أو يأمر ولي الأمر أو من يقوم مقامه بإتلاف ما يحوزه المرضى من شركيات يستشفون بها كتعويذة محرمة أو نُشرة (2) محرمة، ومثال الثاني أن يأذن المريض للطبيب بأن يزيل وشمًا أحدثه في جسده مع انتفاء المانع (3) وهكذا، وأما الإنكار باللسان فيراعى فيه أمرٌ مهم ودقيق وهو ألا يفضي إلى ضررٍ أكبر، وأنبه هنا إلى أن خوف الطبيب من أن ينفر المريض منه فيفضي ذلك إلى ترك التطبيب بما يفضي إلى ضرر بصحة المريض أو تلف عضو منه أو هلاك جسده ... هو ضرر معتبرٌ شرعًا، لأن حفظ ذلك كله مطلوبٌ شرعًا، فإذا غلب على ظن الطبيب أن إنكاره بالقول على مريضه اقترافَ منكرٍ ما كوشم أو كشف عورة أو تبرج سيؤدي إلى نفور المريض بحيث لا يستجيب للعلاج فيتضرر في جسده، فإن إنكار هذا المنكر لا يُشرع لما يترتب عليه من ضررٍ أكبر، بل قد يأثم الطبيب من جهة إدخال هذا الضرر على المريض فليتنبه لذلك، وليعلم الطبيب أن إنكار المنكر في هذا المقام يراد منه اغتنام فرصة العلاقة بين الطبيب والمريض، ولا يراد منه أن تتحول العيادات والمشافي إلى مراكز للحسبة والوعظ فلذلك مجالٌ آخر، وإنما هو العدل
(1) صحيح مسلم - كتاب الإيمان
(2) النشرة ما يطلب به فك السحر وتكون محرمة إذا كان فيها كلام غير مفهوم أو استعانة بغير الله من جن ونحوه
(3) والمانع يكون من جهة خوف ضرر أكبر يترتب على إزالة الوشم من إتلاف عضو ونحوه