فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 126

هذا المعنى في سياقها على الدوام، فكيف يمكن استحضار هذه المقاصد دون إخلال بالواجب المهني ودون أن ينزع بنا إلى نوع تقصير مع المريض غير المسلم نتيجة الانشغال بواجب الدعوة من جهة أو نفرة المرء عن الكافر الذي يصد الدعوة من جهة أخرى؟

إن قيام الطبيب بواجبه المهني يستلزم أمرين لا ينفك عنهما عمل البتة ألا وهما النية والعمل؛ أما النية فلا بد من أن تتمحض لله تعالى وحده، ومجال ذلك من الشريعة رحب وواسع، فإما أن تنوي في طبابتك للمريض غير المسلم مطلق الإحسان إلى الخلق كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"في كل كبد رطبة أجر" (1) ، وهذا الحديث ورد في أجر سُقيا البهائم فيدخل فيه الإنسان من باب أولى، ولم يستثن العلماء من عموم هذا الحديث إلا الكافر الحربي الذي يُخشى من ارتفاقه بالطعام والشراب وما في معناهما التقوي على المسلمين وإدخال الضرر عليهم (2) ، وإما أن تنوي مد جسور الدعوة عبر السلوك العملي والتألُّف الحاصل بمجرد الممارسة المهنية المنضبطة بضوابط الإسلام، وإما أن تنوي الوفاء بذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن كان هذا الكافر ذميًا له عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم فتكون طبابة هؤلاء مشروعة لذاتها من جهة كونها حفظ لدمٍ معصومٍ شرعًا (3) ، وهكذا فإن الطبيب المسلم لن يعدم له نيةً صالحة في تطبيب غير المسلم، والله تعالى أعلم. هذا من جهة النية وأما من جهة العمل فلا

(1) صحيح البخاري - كتاب المساقاة

(2) راجع فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر- كتاب المساقاة

(3) وهذا خاص بأهل الكتاب الذميين ومن في حكمهم كالمجوس على الصحيح من أقوال العلماء، ولعقد الذمة شروط وأحكام تراجع في مظانها ككتاب أحكام أهل الذمة للحافظ ابن فيم الجوزية رحمه الله تعالى، والمقصود أن الإسلام لما حقن دماء أهل الذمة بموجب عقد الذمة لم تعد هناك غضاضة في تعاطي أسباب رعاية أبدانهم طالما هم موفون بالعهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت