فهرس الكتاب
يخرج الطبيب المسلم مع المريض الكافر عن أحد حالين؛ فهو إما متبرع بالعلاج أو أجير عليه؛ فأما إن كان متبرعًا بعلاج الكافر فليس هناك ما يمنعه من إقران العلاج بالدعوة وفق ما يقتضيه الحال ويناسبه، وأما إن كان أجيرًا فهي إجارة مشروعة من جنس المعاملات المباحة بين المسلم والكافر ما لم تؤدي إلى حرام، وقد قال تعالى في محكم تنزيله:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (1) ، وهنا لا بد من التنبيه على أمر مهم جدًا وهو أن هذه العلاقة بين الطبيب المسلم وغير المسلم الأصل فيها أن تكون في دار الإسلام حيث تكون شوكة الإسلام قوية والدين ظاهر، فيكون رجاء إسلام الكافر قويًا أو يكون دم الذمي معصومًا، أما إذا كان الطبيب المسلم مقيمًا بين ظهراني الكافرين في بلادهم حيث شوكة الإسلام ضعيفة، وأمر الكفر ظاهر وشأن دولة الكفر محاربة الله ورسوله أو الإرصاد لذلك، فلا ريب أن للأمر حينذاك اعتبارات أخرى، إذ أن رجاء إسلام الكافر أقل ومفاسد تطبيبه قد ترجح من جهة تقوية مجتمع الكفر على مجتمع الإسلام، وإن المتأمل اليوم في تدني مستوى الرعاية الصحية في بلاد المسلمين، وافتقار هذه البلاد إلى الموارد البشرية وغير البشرية اللازمة للارتقاء بالرعاية الصحية إلى حد الكفاية ليتفطر قلبه من جراء مشاهدة مئات إن لم يكن ألوف الأطباء المسلمين في شتى الاختصاصات الطبية وأدقها وأكثرها تطورًا ولكن أين؟ في مجتمعٍ كافر يعلن بحرب الله ورسوله، بل وفي مؤسسات حكومية كافرة همها تقويض أمر الإسلام، بل لقد رأيت والتقيت ممن ينتسبون إلى الإسلام من الأطباء والجراحين من يباهون بخدمتهم في جيوش الكفار المحاربين لله ورسوله، بل إن بعضهم يشارك في حروب حقيقية يصرف فيها جهده وكد مبضعه لإسعاف جنود الكفر في حين تثعب جراحات المسلمين دمًا في الجانب الآخر من
(1) سورة الممتحنة - آية 8