فهرس الكتاب
وبتعبير آخر أقول: مسكينٌ ذلك الطبيب الذي لا يجد أثر تفكره في مشهد الخلق الإنساني زيادةً في إيمانه، وطمأنينةً في قلبه، وإزعاجًا لجوارحه، مسكينٌ من عاين مشهد الخلق الإنساني ثم لم يعاين المشهد الإيماني المتمثل في قوله تعالى:"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون" (1) . نعم، مساكين هم جمهرة الأطباء الذين يمرون على آيات الله عز وجل في كل لحظة من لحظات دراستهم وعملهم وهم في مرورهم هذا غافلون، وبمادية الطب وتجردهم لدنياه غارقون، وتأمل إن شئت واحدًا من هؤلاء ثم اسأل: كيف لطبيبٍ كهذا أن يصبح طبيبًا داعية؟
إن حلية الدعوة لا يمكن أن تستقر على جيد الطبيب الذي لا يتعهد قلبه وإيمانه بما أطلعه الله تعالى عليه من بديع خلقه وصنعته، والعكس صحيح، فإن الطبيب الذي تستوقفه مشاهد الخلق الإلهي في هذا الجسد الذي يعالجه ويطببه لا بد من أن يثمر ذلك في قلبه رغبةً ودافعًا قويًا ليدعو الناس كل الناس إلى تأمل هذه المشاهد والاقتراب من الله عز وجل، إن حال هذا لا يختلف عن حال العالِم الذي فقِه مسألةً في دين الله، فأراد أن يبلغها للناس حبًا في نشر الخير والتزامًا بواجب البلاغ والدعوة إلى الله، وهنا أود أن أشير في نقاط محددة إلى مجالات الدعوة التي يجب أن ينخرط فيها الطبيب المسلم، ليكون من أولئك الربانيين الذين قال الله تعالى فيهم:"ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين" (2) ، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: أسلمة العلوم الطبية:
(1) سورة السجدة - آية 16
(2) سورة فصلت - آية 33