فهرس الكتاب
إن شمولية الإسلام العظيمة والتوازن الدقيق بين تعبيد الناس لله تعالى قَدَرًَا ودعوتهم لعبادته شرعًا، تفرض على المسلم مراعاة حدٍ أدنى من الحقوق الإنسانية المشتركة التي تكفل الله تعالى بها قدرًا وأذن بها شرعًا بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى للخلق أجمعين، بحيث لا تجد في منهج الدعوة إلى عبادة الله تعالى إجحافًا بتلك الحقوق الإنسانية البتة، ولعل من أجمع النصوص في ذلك قوله تعالى:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (1) وليس هذا الإكراه المذموم محصورًا في تسليط السيف على رقبة الكافر ليُسلم، بل إن معناه يتعدى إلى كل وسيلة إكراه يُفهم منها أن الكافر ما كان ليختار الإسلام لولا تَسلُّط هذه الوسيلة عليه، ثم إنه لا فرق بين كون هذه الوسيلة حرمان طعام أو شراب أو دواء أو مأوى أو غير ذلك من المشتركات الإنسانية التي تكفل الله تعالى بها لمخلوقاته بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى لهم، فلقد قال تعالى:"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" (2) ، بل إن الله تعالى قد يستجيب لدعاء الكافر بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى:"وإذا مسَّكم الضُر في البحر ضلَّ من تدعون إلا إياه فلما نجَّاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا" (3) ، فدعاء غير الله شرك وكفر، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يستجيب لهؤلاء في وقت الضراعة والمحنة إذا ما دعوه سبحانه وتعالى وهي استجابة ربوبية لا استجابة ألوهية، فإن الله تعالى خلق خلقه وهو سبحانه لا يدع خلقه لغيره بدون تدبير وكفالة بل هو الحي القيوم الرزاق، وها نحن نرى الكفار بل المحاربين لله تعالى، والله تعالى يطعمهم ويسقيهم ويمتعهم بعافية الأبدان كل يوم، وليس ذلك لرضاه عنهم شرعًا، وإنما لكمال ربوبيته عز وجل في علاه. والشاهد من هذا كله أن الإسلام لم يشرع لنا التضييق على الناس في معايشهم - التي هي مقتضى ربوبية الله عز وجل لهم-
(1) سورة البقرة -آية 256
(2) سورة هود - آية 6
(3) سورة الإسراء - آية 67