فهرس الكتاب
وقال الله تعالى لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام في مخاطبتهم لفرعون:
{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} . [1]
قال القرطبي: وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا، ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فقولا له قولا لينا} فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.
وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي. [2]
وقال رحمه الله: في قوله تعالى: {فقولا له قولا لينا} دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة وضمنت له العصمة ألا تراه قال: {فقولا له قولا لينا} ، وقال: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} فكيف بنا فنحن أولى بذلك وحينئذ يحصل الآمر والناهي على مرغوبه ويظفر بمطلوبه وهذا واضح. [3]
وقال الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} . [4]
قوله: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين إنهم يقولون عند محاورتهم للمشركين الكلمة التي هي أحسن من غيرها من الكلام الحسن، كقوله سبحانه: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} ، وقوله: {فقولا له قولا لينا} لأن المخاشنة لهم ربما تنفرهم عن الإجابة، أو تؤدي إلى ما قال سبحانه {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} وهذا كان قبل نزول آية السيف. [5]
وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني: أنه مر برجل هيأته هيأة مسلم فسلم فرد عليه وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له
(1) سورة طه آية (44)
(2) تفسير القرطبي (2/ 16) .
(3) تفسير القرطبي (11/ 181) .
(4) سورة الإسراء آية (53) .
(5) فتح القدير (2/ 327) .