فهرس الكتاب
لعل هذه التفاعلات المرضية وتداعياتها تقرب القارئ إلى تصور الحد الذي وصلت إليه الأمور اليوم في ذلك الصراع الديني الذي يدار دينيًا من طرفٍ واحدٍ ولعل القارئ يدرك بهذا إلى أي حدّ ارتفعت درجة حرارة الحمى بمرضى الهوس الألفي الذي تتحدث عنه الصحف الرسمية اليهودية وتتناثر التصريحات حوله من المسؤولين اليهود داخل (إسرائيل) وخارجها. والسؤال هنا: أين مثقفونا وسياسيونا (الواقعيون جدًا) من هذا الواقع الجديد المتصاعد داخل الدولة العبرية ؟؟؟ هل يعلمون بذلك وهم يصحون الأسماع بالحديث عن السلام الحتمي والتطبيع المصيري؟ أغلب الظن أنهم يطّلعون على مثل هذا وأكثر ولكن لماذا هذا الصمت المريب على كل تلك الصرعات الدينية اليهودية والنصرانية التي يُراد أن يُدار بها الصراع في المرحلة القادمة في ظل غيبوبة مفروضة على الأمة! لماذا يُسكت عن (الأيديولوجيات) المُسَيَّسة المولعة بالعودة إلى الوراء آلافًا من السنين في حين يستمر الضجيج المقذع للتخويف من العودة للإسلام وحده ولمصلحة من يُطلب من الإسلام وحده أن يكفّ يده في حين تمتد كل الأيادي والسواعد (الدينية) للعمل النشط ويصمت عنها؟
الذي يظهر لي في علة هذا الصمت المصنوع عن الانتعاش الديني لدى اليهود والنصارى هو الخوف من إثارة الغيرة وتلك المشاعر في روح الأمة التي لو فارقتها لفارقتها الحياة نعم هناك ما يشبه التهامس بهذه الأمور ولكن سياجًا من التعتيم والتعمية يقام حولها حتى لا تتنبه الأمة وجماهيرها اللاهية إلى ما يراد لها أو قد تعرض بعض هذه القضايا في شكل جزئي مُهمّش أو عرض اختزالي مغبش.
وتظل مهمة استخلاص الحقائق من بين براثن الإشارات الصحفية الشحيحة عن هذه الأمور مهمة صعبة. إن الإعلام العربي (العلماني) يمارس للأسف الشديد مهمة الاتجار في المخدِّرات الفكرية ويعمل على ترويجها حتى تصاب الأمة كلها بحالة من إدمان الترف المعرفي التائه أو التجاهل أو التشاغل الذاهل.