على أي حال، لم تكن هذه مأساتي الحقيقية، لكن حقيقة المأساة كانت رؤيتي البعيدة للأمور، وتفكيري المغرق في الشمولية. كانت رؤيتي البعيدة تصل في بعدها إلى حد محرج لي أحيانًا، ولبعض الأشخاص غالبًا. فكثير من الناس لا يرتاحون كثيرًا لأصحاب الرؤى البعيدة، لأنهم يبعدونهم عن الاستقرار والراحة والطمأنينة التي تبعثها فيهم الحياة المرحلية الهادئة. وهذا بالذات ما ضخم مأساتي، وأوصلني إلى حد المواجهة المباشرة مع نتائجها. لقد بدأ الأمر بسيطًا، مثل بدايات الأزمات الكبيرة كلها، ونما بسرعة، مثل نموها أيضًا، حتى وصل إلى نقطة الانفجار. كنت أقف في مخزن لبيع الملبوسات أتأمل مجموعة من ربطات العنق، وتدخل أحد عمال المخزن قاطعًا تأملي، وراح يقترح علي ألوانًا معينة، لكنني رفضتها بطبيعة الحال لأنها لا تناسب ذوقي، وبخاصة أن اختيار الألوان وتناسبها هو من صميم عملي. وفجأة رأيت في وجهه ابتسامة «خاصة» .. وربما وجدتها أنا «خاصة» بسبب رؤيتي البعيدة جدًا، لقد تبينت في تلك الابتسامة رأيه الصريح بي، كأنه يملك تلك الموهبة النادرة مثلي أيضًا . كان يراني بعمق.. وكان يسخر مني، ويحاول مسايرتي بصبر نافد، وبترفع مهذب متقن. وشعرت بيدي ترتجفان، وقلبي ينبض بقرع صارخ. وتغلب الانفعال الغاضب في داخلي على الهدوء والدماثة اللتين أغلف شخصيتي بهما عادة. كنت قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. وخلال لحظة قصيرة أدركت ذلك، لكن لحظة الإدراك تتأخر دائمًا عن الوقت المناسب للسيطرة والكبح... وشعرت بأنني انفصلت إلى شخصين، أحدهما انقلب إلى وحش خرافي مستثار، راح يحطم كل ما تصل إليه يداه، بلا وعي أو تفكير.. بلا موجّه.. بلا هدف.. باستسلام كامل لانفعاله الذي انطلق متحررًا من كل قيد. والشخص الآخر إنسان واعٍ مدرك يقظ، يرى ويسمع كل ما يجري، بأدق تفاصيله، لكنه عاجز تمامًا عن التدخل، أو التأثير..