فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 79

انتبه إلى يد صديق له تندس تحت إبطه، وتجره إلى الشارع. فكر في تخليص نفسه والابتعاد، ورغب في السير وحيدًا، ربما خلف الموكب، لكنه تخلى عن الفكرة، فقد تذكر أن تلك هي العادة في مناسبات كهذه. ارتفعت أصوات الوداع الناحبة واختلطت. وشعر بيد ضخمة مبهمة تضغط على قلبه وتعتصره... ثم ازدادت قوة الضغط والاعتصار حتى تحولت إلى حرقة حمراء مشتعلة في عينيه، ثم استرخت فجأة في دموع غزيرة، أحس بحرارتها تملأ وجهه، وبملوحتها تتسلل عبر شفتيه حتى تصل إلى حلقه. شعر بالارتياح قليلًا، فاستسلم إلى حرارة الدموع وملوحتها. خفّت بعد دقائق القوة التي كانت تعتصر قلبه، وتراجع مذاق الدموع المالح عن حلقه ثم عن شفتيه. كانت الأصوات قد تضاءلت تدريجيًا وهم يبتعدون عن المنزل باتجاه جامع الحي. واصل المسير ضمن الجموع بصورة آلية، وكأنه دخل عالمًا آخر لا علاقة له بما يدور حوله، وكأن الأحداث التي تجري حوله، والأصوات التي تصل أذنيه، مجرد خيالات وهمية تتراءى له. وراحت قدماه تخطوان خطوات لا إرادية، تغذيها قوة الاستمرار فحسب، وقد فقدتا أي انتماء إلى جسده، فتركهما تُقادان بدون أن يتدخل أو يوجّه، لكنه ظل مستمرًا في محاولة السيطرة على عقله، والتحكم بمساره واتجاه فعاليته. وتمنى في تلك اللحظات لو استطاع قلب الأمور، وأن يتحكم بقدميه، كي ينطلق بهما حيث يشاء هو، وأن يحرر عقله من سيطرته، ويفلته على هواه، بعيدًا عن إرادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت