فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 79

بعد انتهاء الصلاة دخل إحدى السيارات المنتظرة، وبدأ الموكب البطيء الحزين سيره الصامت الرتيب. كانت عيناه تراقبان الناس الواقفين على الأرصفة، وهم يتأملون قافلة السيارات بمشاركة مواسية موقتة، تنقضي مع مرور الموكب. حاول ضمن التداخلات التي تتماوج في ذهنه أن يجعل نفسه مراقبًا للصفوف المتتابعة من الناس المتوقفين. ورأى نفسه مشاهدًا حياديًا، يتابع قسمًا من شريط سينمائي وثائقي، أو من نشرة أخبار مصوّرة. وتخيّل أنه يرى هذه الجموع المتلاحقة بدون أن تراه، وأحس لذلك ببعض الارتياح.

عندما توقفت السيارات نزل وسار مع تيار السائرين، ووقف عند وقوفهم. أحزنته الخطوات الأخيرة، وتعثر بضع مرات وهو يحاول تجنب السير فوق الأضرحة الدارسة المبعثرة بصورة فوضوية عشوائية، والتي لم تترك سوى ممر متعرج غريب، كأنه خطوط أحجية أو متاهة. استمع إلى الأدعية بالرغم عنه. لم تثر لديه أي انفعال، فقد كانت تخرج من أفواه الناس آلية رتيبة خاوية، مُفرغة من العاطفة التي تفرضها المناسبة. كانت أشبه بوظيفة مُملة مكررة، اعتاد الناس تلاوتها وإعادتها، حتى فقدت معناها لديهم، وأصبحت بالتدريج تخرج من أفواههم وليس من قلوبهم.

وبعد ساعة انتهى كل شيء، وأصبح أبوه مجرد ذكرى، واسم يترحم عليه السامعون.

8 ـ مزيد من التداعيات بعد الوداع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت