فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 79

لقد انتهى المخاض الجديد، وحصلت الولادة الثانية. استقبلك رحم الأرض، ولفظني رحمك يا أبي، خرجت الآن إلى الدنيا، إلى العالم الحقيقي، بعد حمل طويل امتد عشرين سنة. كنت من قبل في رحم أمي أستقر دافئًا، مطمئنًا، معطل الذهن والحواس. وتلقفني بعدها رحمك يا أبي. وأحسست في داخله بالبرودة، والقلق، والضعف، والتسليم. كان رحم أمي يغذيني طوال تسعة أشهر بالنسغ الأحمر، الذي يزيد من نمو جسدي، وراح رحمك يا أبي، طوال عشرين سنة يغذي قلبي بالنظريات والمثل، ويُتخم عقلي بالأفكار والوصايا. كم كانت جدران رحمك يا أبي ثخينة وكتيمة، على الرغم من شفافيتها. لكنها لم تمنعني من الرؤية الفضولية المسروقة، أو من المراقبة المحايدة لأخطار العالم الخارجي المحظور. لماذا حرمتني من أن أعيش لذة التجربة ومغامرتها... ومن المناعة التي يمكن أن أكتسبها من تلك التجربة؟

كم تحرقني دموعي الواعية الآن يا أبي، لحظة ولادتي الثانية. أشعر أنها تختلف عن دموعي الطفلية لحظة ولادتي الأولى. فبعضها أُطلقه حسرة على رحيلك وغيابك الذي سيطول، وأكثرها حسرة على نفسي خوفًا من المجهول الغامض القادم.

9 ـ بعد ثلاثين سنة من الولادة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت