فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 79

ثلاثون سنة مرت يا أبي منذ رحيلك، وأنا أعيش على أفكارك النظيفة، ووصاياك النقية، ونظرياتك ومبادئك المعقمة، وعقلي لا يزال محرومًا من المناعة. رائحة تعقيم غرفة العناية المشددة تعشش في أنفي وتخنقني، وألواح القفص الزجاجي الصافية تلوح في مخيلتي وتعصر قلبي. ثلاثون سنة يا أبي وأنا أحاول التوفيق بين مُثُلِكَ وحياتي. أخوض معاركي بأسلحة ضعيفة بدائية ساذجة. حاولت إبداعها وتشكيلها بصورة عصرية متطورة، لكنها كشفت عدم كفاءتها، وفضحت انعدام الخبرة في تصميمها. ثم اكتشفت أخيرًا أنني لست أكثر من «دون كيشوت» جديد، يحاول مجابهة عالم الشيطان بنظرة عتاب مهذبة، ومحاربة قوى الظلم بكلمة لوم بليغة. لقد خلقت مني يا أبي إنسانًا ينكفيء إلى داخله هاربًا من المواجهة. تعترض رحلتي مع الحياة الجديدة غابة كثيفة يملأها الظلام، والأغصان الملتوية، والكائنات الغريبة المتربصة. أهم باقتحامها، لكنني أعجز دائمًا عن القيام بالخطوة الأولى، فأتراجع، وإحساس حارق بالهزيمة يتعمق داخل قلبي، يزيد من عزلتي، ويؤكد فشلي.

والآن أريد أن أرتاح يا أبي. لقد نما ما زرعته والتفّ حولي، وتداخل مع أعصابي وشراييني. لم أعد أعرف إن كنت أغذي نبتتك الفاضلة أم أتغذى عليها. ثلاثون سنة مرت يا أبي وأنا ضائع بين أن أتعايش معها، وأعيش منفردًا معزولًا، في عالم طوباوي معقم خاص أصنعه لنفسي، أو أن أتخلص منها وأقتلعها من جذورها، وأتمخض ذاتيًا عن ولادة ثالثة. ساعدني يا أبي. أكمل ما بدأت، واخلق التربة الصالحة لما زرعت، والجو الملائم لما أنشأت، أو تعال وخذ أفكارك النظيفة، ووصاياك النقية، ومبادءك المعقمة، وعنايتك المشددة، وحطام قفصك الزجاجي الصافي... ودعني أعيش.

يوم اختفى سعيد الراضي

1 ـ سعيد الراضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت