فهرس الكتاب
سعيد الراضي رجل فريد من نوعه، تتداخل التناقضات والمفارقات بين تركيب خلاياه وتكوينه النفسي. فشكله يبعث الرعب، أو الهيبة على الأقل، في نفس من يقابله أول مرة، بطوله الذي يقارب المترين، وجسده العريض الضخم ووجهه الجادّ المتورد والممتلئ قليلًا، وشاربيه الكثيفين اللذين يغطيان كل مساحة شفته العليا العريضة، ويتطاولان على طرفي فمه، وكتفيه اللذين يشبهان كتفي إله إغريقي، ووقاره الذي يفوق وقار تمثال فرعوني.
ولكن، ما أن تجلس معه لبضع دقائق حتى تبدأ الرهبة بالتقلص، والهيبة بالانكماش، ويسيطر عليك إحساس غريب، يمتزج فيه الفضول، والافتتان، والشفقة، والرغبة اللئيمة بالضحك. فهو يخشى زوجته المستنفرة دائمًا، ولسانها الحاد اللاذع. وحين يسمع نكتة في سهرة يرمقها بطرف عينه، ثم يضحك بتحفظ، وعندما تنظر نحوه يزُمّ شفتيه فجأة، ويبتلع ضحكته، ويعود إلى وقاره الفرعوني. وإذا تحدث، في مناسبات متباعدة جدًا، فبصوت خافت يكاد لا يُسمع. وهو يسعى، محاولًا لملمة شظايا شخصيته المتناثرة، إلى جعل صوته يبدو جهيرًا من مقام «الباص» . وبشكل تلقائي، يقترب محدثه منه برأسه وأذنيه ليسمع ما يقول، وغالبًا لن يستطيع، ويطلب منه أن يرفع صوته، فيحاول المراوغة وتجنب ذلك، ومع إلحاح محدثه يمد يده ويتلمس منطقة حباله الصوتية، ويضغط عليها بأطراف إصبعيه الإبهام والسبابة، وكأنه يعتذر عن ضعف صوته، فيخرج الصوت صادحًا من مقام «التينور» ، وقد يتخيل أصحاب النوايا السيئة أنهم، إذا واصلوا الإلحاح عليه، فقد يضغط على حباله الصوتية بأصابعه الخمسة كلها، ليخرج صوته نديًّا من مقام «السوبرانو» .
2 ـ زوجة سعيد الراضي