فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 79

فتح سعيد الراضي باب بيته، ودخل على أطراف أصابع قدميه. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحًا، ولم يرغب في إيقاظ زوجته من نومها. ورغم حرصه الشديد، شعرت زوجته بحركته، وفتحت عينيها، ورأت عينين تعرف ملامحهما جيدًا، لكنهما تحملان تعبيرًا واثقًا ومتماسكًا لم تلحظه من قبل. كان سعيد الراضي يضع يده اليسرى في جيب سترته، ونظر بحدة وعمق في صرامة عينيها وقال باختصار: مساء الخير. امتزج في صدرها خليط من الأحاسيس، كثير منها بهجة بعودته، وبعضها رغبة في معرفة مكان اختفائه الطويل، وقليل منها، ولدهشتها، كان غضبًا لخروجه عن سيطرتها الحازمة ورقابتها. وأخيرًا سألته، بتردد أثار استغرابها، عن سبب غيابه غير المألوف طوال هذه المدة، وأين أمضى هذه الفترة، وماذا كان يفعل. وأجاب باقتضاب حاسم: كنت مسافرًا ... في رحلة استجمام. ولم يضف كلمة واحدة بعد ذلك.

7 ـ بعد شهر

مضى شهر على عودة سعيد الراضي من رحلته الغامضة. كان تورد وجهه قد خف قليلًا، وفقد جسده الكثير من الامتلاء السابق. أما تحفظه الخائف المعهود فقد تلاشى، وأصبح يضحك باستغراق مشبع عند سماع أتفه نكتة، دون أن يرمق زوجته بطرف عينه. لكن أكثر الأمور غرابة كان صوته الذي لم يعد خافتًا، وأصبح الجالسون في الغرفة المجاورة يستطيعون سماعه بوضوح. ولم تجرؤ زوجته على الإلحاح لمعرفة تفاصيل غيابه الغريب، بل احترمت، ربما للمرة الأولى، رغبته في تجنب الإشارة إليه. كان يبتسم بينه وبين نفسه وهو يرى بعد أيام امتلاء جسدها قليلًا، واختفاء الزغب المتناثر على شفتها العليا، ويلاحظ لمسات من الرقة تنساب مع صوتها، كما فوجئ بكرتي البنغ بونغ في صدرها تتحولان تدريجيًا إلى كرتي تنس.

ومن وقت لآخر، حين يجلس وحيدًا، كان يتلمس بمتعة فائقة إصبع السبابة العريضة في كفه اليسرى، وقد نقصت سلامية واحدة. ثم يتذكر مثل شريط سينمائي، تفاصيل حلمه الممتع في تلك الليلة المقمرة، ويتنهد بارتياح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت