فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 79

كان مصرًا على الاستمرار، برغم كل شيء. فرئيس التحرير صلب في مثل هذه الأمور، ولن يغفر له هذا التقصير. وعليه أن يُقدّم يوم الإثنين، أي بعد يومين، خمسمئة كلمة، هي زاويته الأسبوعية في الصحيفة. والتي ينبغي أن تعالج موضوعًا مشوّقًا، ناقدًا، ولكنّه مُدجَّن مُقلَّم الأظافر. وهذه المواصفات الأخيرة لم يقلها رئيس التحرير صراحة، لكنه أوحى بها. وفكر كثيرًا في التمرد على رئيس التحرير. لماذا يوم الاثنين؟ لتكن الزاوية يوم الثلاثاء أو الخميس. ولماذا خمسمئة كلمة بالتحديد؟ ربما يستطيع التعبير عما يريد بعشر كلمات... أو بكلمة واحدة. أو ربما احتاج إلى ألف أو ألفين. واجتاح ذهنه سيل من كلمات لماذا؟ كان يغوص في إغراء هذا التمرد، ولكن ليس إلى عمق كبير. فالنتيجة معروفة، والثمن هو رأسه، الذي يتحفز لبتره رئيس التحرير والكثيرون غيره. وهو لن يقدمه لهم باختياره.

وحاول من جديد أن يبحث عن ومضته الداخلية. أغمض عينيه، واسترخى أكثر في مقعده. شعر بفوضى أفكاره، وكأنها ملتقى شوارع مزدحمة، تعطلت فيها إشارات المرور الضوئية. جرب تنظيمها، وأَرْشَفَتَها، ولكن بدون جدوى.

الساعة الثالثة

من إحدى الزوايا انفلتت إحدى الأفكار الملحاحة. « اليد التي لا تقدر عليها قبّلها وادعُ عليها بالكسر» . كانت هذه الفكرة ترفض الانضباط في أرشيف عقله. ومارست كل أشكال المراوغة كي تظل محتفظة بسيطرتها واستمراريتها، بدءًا من مجتمعه الصغير حتى تصل إلى العلاقات بين دول العالم. تراقص خلف عينيه بصيص ومضة، فركّز تفكيره على هذه المنفلتة، استسلم لإغوائها، وحاول الانطلاق معها في إسقاطات متدرجة نحو الأعلى. وخفق جانب منكمش في داخله بعد بضع درجات، وانتصب أمامه رئيس التحرير ملوّحًا بقلمه الأحمر: لا تتجاوز حدودك، وانتبه لرأسك الهش. وأطفأ الرعب ومضته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت