فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 79

مرت الليالي، والشمس تغيب كل مساء، لتعود بإشراقة أحلى في الصباح التالي، والزهور تزداد تفتحًا كل يوم، والبراعم تزدهر، وتزدهر، والأوراق الخضراء الغضة تنتشر على الفروع والأغصان كلها، ونسي الجميع كآبة ليالي الشتاء وقسوتها، وغضب الرياح وعبثها. أما الشجرة العجوز الحزينة، فقد ظلت أغصانها تزداد سوادًا يومًا بعد يوم، ويزداد مع سوادها يأسها وحزنها. وتدلت أغصانها حتى لامست الأرض، وبدت مثل جثة سوداء لا حياة فيها، لولا ارتعاشة ضعيفة تنتابها، فتهزها بين ساعة وأخرى. وكان الفرع الهرم أكثر الفروع كآبة، وزاد من بؤسه حال الشجرة العجوز، وإحساسه بأنه سبب ما أصابها، فتقدمت الشيخوخة في تسللها إلى قلبه، وبات لا يصحو من غيبوبته إلا ليغرق فيها من جديد، حتى بلغ ذروة اليأس، فانهار على الأرض، منسلخًا عن شجرته الكبيرة، ولفظ آخر تنهيدة في حياته.

وفي الصباح جاء حطاب، واكتشف جثة الفرع الميت. وعندما تفحصها وجد أنها قد تحولت إلى قطعة كبيرة سوداء من الفحم، وعثر على ورقة سوداء ملتصقة بها.

حزن الجميع على الفرع العجوز، لكنهم فوجئوا بعد أيام قليلة بالشجرة الكبيرة الطيبة تعود إلى ألوانها، والسواد الكئيب يزول عن فروعها وأغصانها. وبدأت البراعم الخضراء تتفتح، والأوراق النضرة تزداد، وعاد إلى الشجرة العجوز رونقها وإشراقتها.

ومن بعيد، ظهر سرب من السنونو، ثم تبعته أسراب أُخرى، وراح الجميع يحلقون فوق الشجرة الطيبة. وشعروا بالسعادة وهم يرون نضارة أغصانها واخضرار أوراقها، واندفعوا يتسابقون إلى عناق فروعها المزهرة، ويعيدون صلتهم مع صديقتهم العجوز، ويتابعون أحاديث سفرهم الشتوي الطويل. وعادت الشجرة الطيبة تستمع إليهم. وتضم حكاياتهم إلى رصيد ذكرياتها.

نسي الجميع تلك القصة المؤلمة، وعادت حياتهم إلى طبيعتها الأولى، ولم يعد أحد منهم يذكر شيئًا عن تلك الفترة الحزينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت