فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 79

وفي كل عام، كلما بدأ الشتاء سفره الطويل، وأتى موكب الربيع، كانت أسراب السنونو تتلاقى بعد عودتها من المهجر، وتتجمع أزواجًا، كل يحكي عن أحداث سفرته. وكانوا يسهرون عند الشجرة العجوز الطيبة، فتستمع إلى حكاياتهم وأحاديثهم، وتختزنها مع رصيدها من الذكريات. وفي هذا الصباح أطلت أسراب السنونو محلقة بلهفة وشوق. فقد سمعت بعودة الربيع، وراحت تتسابق متعجلة الوصول، لتلتقي مع الأصحاب والأحبة، القادمين من أماكن أخرى. ورقصت الزهور وهي تستقبل الفراشات الزاهية بعد غيابها الطويل، وتمايلت فروع الأشجار مع وريقاتها الطفلة نشوانة، وهي تحتضن أزواج السنونو الفرحة، وتفتحت براعمها الطرية لتعانق الطيور السعيدة بهذا اللقاء.

نظرت الطيور حولها. ثم انطلقت محلقة بسرعة ولهفة، فقد اشتاقت في غيبتها الطويلة إلى الشجرة العجوز الطيبة، واتجهت نحوها كي تهنئها بقدوم الربيع. لكنها لم تكد تصل إلى الشجرة الكبيرة حتى توقفت في الفضاء، ترفرف بأجنحتها في دهشة وذهول. وراحت تنظر واجمة مذعورة، ثم استدارت ومضت تتخبط في طيران متعثر بين أرجاء البستان الواسع، وأخيرًا انطلقت مسرعة في حيرة وأسى، وغابت خارج البستان.

كانت الشجرة العجوز المسكينة وفروعها متشحة بثوب أسود كئيب يشبه ليالي الشتاء، وقد هربت البراعم عنها، وتساقطت الأوراق، ولم يبق فيها إلا أغصان يابسة سوداء، انثنت، ولوت فروعها الفاحمة، وتهدلت في يأس وحزن، وفي ركن من أركانها انزوى غصن هرم، راح في غيبوبة، يتأمل دورة الزمن، ويسترجع الذكريات، وينتظر قدوم لحظته الأخيرة، وفوقه استقرت ورقة سوداء هامدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت