فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 79

كان الفرع الكبير عجوزًا. وقد استسلم منذ زمن بعيد جدًا إلى الصمت والانزواء، وعاش في غيبوبة مستمرة، يتأمل دورة الزمن، ويسترجع الذكريات، وينتظر قدوم لحظته الأخيرة. وفي غيبوبته وتأمله لم يشعر بهذه القادمة السوداء الكئيبة. وحتى لو شعر بها لما استفاق من غيبوبته وتأمله، فقد أصبح لا يبالي بما حوله، ولا بما يحل به أو يأتيه.

كان سُقوط الورقة مُستقرًا في حضن الفرع العجوز، فهمدت في مكانها، ونُسيت.

بعد أيام مل الشتاء من طول إقامته، فبدأ يجمع أدواته، ويلملم بقاياه. وفي أمسية مظلمة داكنة انسل خارج البلدة الصغيرة الوادعة بهدوء، محاولًا ألا يُشعر أحدًا بانسحابه. لكن الربيع، الذي كان منتظرًا عند أطراف البستان الكبير، لمحه في انسلاله، فانتظر قليلًا حتى غاب الشتاء في عتمة الليل، وأسرع يوقظ رفاقه، وينطلق معهم متجهًا إلى مشارف البلدة. وهناك راح الجميع يعملون بسرعة ونشاط، يزيحون بقايا الغيوم الرمادية، التي كانت تغطي وجه السماء. فأضاءت النجوم في بريق متألق مغسول طال غيابه. وأطل القمر متسائلًا، ثم اطمأن والتمعت عيناه في تفهم، وأرسل أشعته الناعمة تنير الدرب أمام الربيع وصحبه، فاندفعوا يزيدون من نشاطهم، وراحوا ينثرون الزهور في الحدائق والبساتين ويوقظون البراعم، ويعيدون الألوان البهيجة إلى القلوب الحزينة.

سمعت الشمس، وهي تتمطى في فراشها، أصوات الصخب والمرح، التي يطلقها الزائر الجديد وصحبه، فاندفعت نشطة من بين أغطيتها، وأطلت تستقبل الضيوف بلهفة وحرارة، ونسيت كسلها ومللها، وعاد إليها دفؤها ومرحها، وأخذت تتسلل من نوافذ البيوت، توقظ النيام، وتداعب الكسالى، وتدعو الجميع لاستقبال الزائرين السعداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت