فهرس الكتاب
في ذلك العام أطال الشتاء زيارته، واستطاب الإقامة في البلدة الصغيرة الوادعة، فلم يشعر بانتظار الربيع له. وكانت الرياح قد ملت طول العمل ورتابة الليالي، فخرجت في ثورة غاضبة، تطوف أرجاء البلدة، وتقتلع كل ما يصادفها، وتطير به حتى تتعب من حمله، فترميه عند أطراف البستان الواسع خارج البلدة.
وعلى جدار عتيق، في زقاق منسي من أزقة البلدة، علّقت يد مهزولة في الليلة السابقة ورقة سوداء، كانت تعلن بحزن تقليدي، وبكلمات مقتضبة منمقة، ارتحال شخص عن هذه البلدة الوادعة، في سفر طويل، طويل، عبر السماء.
اكتشف الريح الورقة السوداء، وراحت تداعبها. ثم أخذت تزيد من قسوة عبثها. وقاومت الورقة السوداء طوال الليل. لكن الريح أزعجتها وأغضبتها، فزاد غضبها من سوادها، حتى تداخل مع سواد الليل، وكادت الورقة أن تصبح قطعة منه. ودام الصراع حتى الصباح، استنفدت فيه الريح كل قوتها ومللها، واستخدمت الورقة السوداء كل مرارتها وكآبتها. وأخيرًا انتصرت الريح، واقتلعت الورقة السوداء عن الجدار العتيق، وطارت بها فرحة منتصرة فوق البيوت والأزقة، حتى وصلت إلى طرف البستان الواسع، فألقت حملها هناك، بدون أن تتوقف، وعادت مسرعة إلى البلدة، تبحث عن ضحية أخرى، تتابع معها مُزاحها الثقيل.
تأرجحت الورقة السوداء، وراحت تتمايل في الفضاء، ثم بدأت تترنح هابطة نحو البستان. كانت تختلج في انحدارها، وكأن بها بقية من روح. ومع أنفاسها الأخيرة استجمعت كل ما بقي لديها من مرارة وكآبة. وتوجهت إلى غُصن صغير مرتفع من أغصان الشجرة العجوز.
أُجفل الغصن الصغير، واهتز رعبًا من هذه الوافدة الكريهة، وكان اهتزازه مفاجئًا لها، وهي في احتضارها، ففقدت توازنها، وتابعت سقوطها حتى استقرت على فرع كبير من فروع الشجرة.