فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 79

تزايد ضوء النهار الجديد، ولم يكن قد كتب كلمة واحدة بعد. وشعر بمزيج من التعب والنعاس، وبدأ تفكيره يتراخى، وراح يطفئ زوايا عقله المضيئة واحدة واحدة. وكلما أطفأ واحدة ازداد استرخاءً. وظلت زاوية واحدة لم يستطع إطفاءها. وحين حاول ازدادت توهجًا. وقرر اقتحامها. لكن التعب والنعاس كانا أقوى من مقدرته على الوقوف. وازداد عنادًا، وزحف على ركبتيه وهو يحاول الاقتراب منها. وحين وصل إليها أخيرًا، انتصب في وجهه رئيس التحرير، حاملًا بيده عصا طويلة، طويلة جدًا، في رأسها قلم أحمر.

حكاية الشجرة العجوز

كان صباحًا عاديًا، صباح يوم من أيام الشتاء. السماء ملتفة باللون الرمادي، والشمس ما زالت تتثاءب في فراشها، وتتمطى بين أغطيتها الدافئة، والناس كتل غامضة المعالم من المعاطف، تتدحرج مسرعة على أرصفة الشوارع، والرياح بلغت ذُروة غضبها وثورتها، فراحت تعتصر الغيوم بقسوة، حتى ينفجر ألمها دموعًا غزيرة، تسيل أنهارًا تغسل أنحاء البلدة الصغيرة الوادعة.

كان في طرف البلدة الوادعة بُستان واسع، لا يعرف أحد إلى أين تمتد حدوده، وفي رُكن قصي من أركانه شجرة عجوز كبيرة، أكبر من أي شجرة أخرى في ذلك البستان. وكانت هذه الشجرة الكبيرة تجمع في كل أمسية من أماسي الشتاء رفيقاتها وجاراتها، تقص عليهن من كنز ذكرياتها، وتروي لهن بعضًا من حكايات عمرها الطويل، الحافل بالأحداث. وكانت الرفيقات والجارات يحببنها، ويستمتعن بحكاياتها، ويرتحن لسماعها. وكان البستان الواسع يسترخي كل مساء في صمت حالم، ويستغرق في هدوء عميق، لا يقطعه إلا حديث الشجرة العجوز وهي تروي حكاياتها، وتقص ذكرياتها بصوت رقيق متعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت