فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 79

وأخذت بعض التساؤلات تتقافز في ذهنه. كيف يفكر الناس، كيف يعيشون ، كيف ينفعلون ويتفاعلون؛ كيف يحاكمون الأمور، وكيف تنشأ ردود أفعالهم. أعدّ في ذهنه مجموعة غير مألوفة من الأسئلة، اقتحم بها عقول من حوله. واصطدم بالخوف والصمت، أو الرفض والتملّص. فالجميع يخافون من كشف ما بداخلهم. كلهم يقول ما ينبغي قوله، ما تعلّم قوله، ما يليق قوله، ما يُسمح بقوله. لا أحد يتجرأ على قول الحقيقة. فالحقيقة مخيفة مهما تكن، وسر له خصوصيته، وكشفها يشبه التعرية. وتعرية الأفكار مثل تعرية الجسد، أمر معيب ومحظور، ومخالف لكل القوانين والأعراف. والناس تعوّدوا على الهروب من المواجهة، والاختباء في سراديب أقوال استسلامية، مثل: «الباب الذي يأتيك منه الريح، سدّه لتستريح» . أو «ابتعد عن الشر وغنِّ له» .

لقد فقد الناس القدرة على التحدي والاقتحام والمجابهة. تخلّى كلّ منهم عن شخصيته المتفرّدة، ذات الملامح المتميزة، ورضي بأن يتضاءل ليصبح جزءًا لا ملامح له، داخل الهوية العامة المشتركة لمن حوله. تطاولت المورّثات الأرنبية ثم استقرت في عروقهم، فقنعوا بالانزواء السلبي في أقفاصهم، والتطلع عبر شقوقها بشغف مكبوت إلى الكائنات الخارجية، وكأنها من عالم آخر، منيع، بعيد المنال، مدغدِغ، ملعون، مرغوب. يحلمون به ليلًا ويستنكرونه نهارًا. يمكن النظر إليه سرًا بطرف العين، أو من ثقب الباب، أو من وراء شبكة ضيقة الفتحات وحيدة الاتجاه. أما الرؤية المباشرة بعينين مواجهتين، ومحاولة الاستكشاف والتعرف، والقدرة على المحاكمة الناضجة، والاختيار الموضوعي، فهي خطرة مثل ارتكاب المعاصي، أو الدخول بين فكّي التمساح، أو تشغيل آلة إلكترونية معقدة.

الساعة السابعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت