فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 79

وكاتب آخر يعشق النساء، كل النساء، عشقًا حسّيًا حادًا. والكتابة عن عشقه هذا، بكل الانفعالات التي تشتعل في جسده، تخرج به عن قواعد اللعبة المسموحة. فكان يُطلق عواطفه الحبيسة المحظورة في كتابات تتحدث عن عشقه للأرض والوطن. والحديث عن عشق الأرض والوطن، الذي ينتفض في قلب عاشقهما، فيدفعه إلى مغازلتهما مثل امرأة خيالاته، لا اعتراض عليه. والرمز أسلوب مشروع، ووسيلة مسموح بها لتظليل النوايا الحقيقية التي لا يجوز التصريح بها، وكلما ازداد غموضه قلّ خطره.

وفي إحدى زيارته لدولة عربية متزمتة الرقابة، قرأ كتابًا يبحث في أصول إحدى العبادات. كان الكتاب في شرحه يذكر كل شيء باسمه، ويوضّح كل فعل بتفاصيله. وعندما أظهر استغرابه للسماح بنشر هذا الكتاب بكل ما يحتويه، قيل له: هذه أمور فقهية، ولا حياء في الدين.

وعرف أخيرًا أن الخطر ينبعث من غلاف الكلمة، وليس من الكلمة نفسها؛ ومن قالب الفكرة، وليس من الفكرة ذاتها.

الساعة السادسة

كان العثور على موضوع زاويته الأسبوعية أمرًا عسيرًا. فقد اعتاد أن يكتب حين تولد فكرة في عقله، ثم تتنامى وتتوسع حتى تنضج، فتنفجر سيلًا من الكلمات، التي لا يعرف كيف تكوّنت، وأين ستتطور، ومتى ستنتهي. كانت الفكرة تهاجمه مثل القدر، بلا موعد، وبدون تحضير أو استعداد، تثقب نواة عقله، فيستسلم لنزيفه حتى الجفاف. والآن عليه أن يوقد شعلة أسبوعية منتظمة. عليه أن يفتعل الانفعال، ويؤججه، ويُنضجه، ويختلق الجو الذهني الذي يتفق مع الموضوع المطروح. وعوّد نفسه بعد بضعة أسابيع على التحكم بتوقيت أفكاره، وعدم تركها عفوية طليقة. وبدأ يبحث عن مواضيعه بين الناس من حوله. فالناس منجم للأفكار، وعليه اقتلاع صخور هذا المنجم، ومعالجتها وتنقيتها، ثم تشكيلها وتقديمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت