فهرس الكتاب
استيقظ المواطن من قيلولته، وارتدى ثيابه بثقل. كان الامتلاء اللذيذ في معدته لا يزال يذكي فيها، وفي ذهنه، متعة انقضت بسرعة مثل لحظات السعادة الأخرى، ولم يظل منها إلا بعض من بقاياها، وذكرى نشوة يحاول إطالة أمدها. كان موعد بدء عمله الإضافي في المكتب الخاص قد اقترب، ولم يشأ أن يتأخر، فالعاقبة هنا لا تقتصر على اللوم، والتذكير بالنظام، لكنها قد تصل إلى الطرد، وبدون أي تعويض. وهو لن يتسبب في إغضاب صاحب المكتب، وفقدان العمل الإضافي الذي يرفد دخله ولو قليلًا.
كان يركب دراجته عندما يذهب إلى دوامه المسائي فقط، بدلًا من استخدام الحافلة. أما في دوامه الصباحي فلم يكن هناك مكان يضعها فيه، ويطمئن عليها من الضياع. وكان يحب دراجته، إلى درجة العشق تقريبًا، ويحرص عليها، ويعتني بها، ويعتز بامتلاكها. وكثيرًا ما عزى نفسه بأن هذه الدراجة لا تقل بأي حال عن السيارة. ألا يكفي أنها، كما يقولون، ترفع قدميه عن الأرض. بل إنها أفضل من السيارة، لأنها لا تكلفه ثمن وقود أو أجور إصلاح عالية. كما أن ركوبها مفيد للصحة، وبخاصة في سنه المتقدمة هذه. وقد رأى كثيرًا من الأشخاص الهامين يركبون دراجة، ولو كان ذلك للرياضة فقط. وحين وصل إلى المكتب، تمتم وهو يدخل: «الحمد للّه على دوام الصحة والعافية» .
8 ـ مساء اليوم التاسع والتسعين
عندما انتهى دوامه المسائي، لاحت في مخيلته، وهو عائد إلى البيت على متن دراجته، صورة بقايا الحمُّص والمخلّل والخبز المشرب بدهن الفروج المشوي، وشعر بمعدته تزقزق شوقًا لوجبة العشاء الشهية التي تنتظره.