فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 79

من خلال الضباب الدخاني الأزرق.. أمضغ لفافاتي واحدة إثر أخرى.. ولا يزال القرع الرتيب يتوالى على زجاج نافذتي الصغيرة.. قطرات المطر تتصادم على حافتها العليا.. ثم تنساب باكية على خدها الزجاجي الصقيل.. والصراع على أشده.. صراع حبات المطر.. وعواء السماء الهادر.. والبريق الخاطف الحانق.. صراع أحمق فارغ.. لا يصلني منه إلا ضجيجه وأنا متنسك في صومعتي الصغيرة المعبقة بالدفء والدخان، والأحلام الفارغة..

يوم كامل قد مر.. ولا تزال السماء تبكي وتزأر.. وأنا مخبأ بين أغطيتي الدافئة.. الجامدة.. ميتًا.. لا حراك بي.. والبارحة.. يوم واحد فقط مر، كنت أصفع جوانب الطريق بقدمي الجاحدتين.. أختبيء داخل معطفي.. أحملق بالمربعات المنتظمة السخيفة.. والشقوق المستقيمة على الرصيف.. وتغلغلت يد صغيرة خلف ذراعي، واستدار رأسي.. مساء الخير.. رفيقتي العذبة.. ومضت تصفع الطريق مثلي بقدميها الطفلتين.. إلى أين في هذا الظلام؟.. وتمتمت شفتاي باختصار.. هائم.. وأنت؟.. وشدت على ذراعي برفق.. هائمة.. مثلك.. وانتظم صوت حذائها بضربات موقعة.. هائم.. وهائمة.. والشارع العريض يرتعش من البرد، هجره الناس، فانزوى إلى أحلامه بهدوء.. يقطعه بين حين وحين.. دوي سيارة هاربة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت