الصفحة 140 من 323

فإذا علمنا هذا فقد يرد تساؤل لماذا يتشبث الغلاة بمثل تلك الأحاديث الواهية وينافحون عنها؟! أيستدلون بها ظنًا منهم أن أحدًا من المسلمين ينكر زيارة مسجده عليه الصلاة والسلام المتضمنة لزيارة قبره الشريف وقبري صاحبيه وأهل البقيع وغير ذلك من الأماكن التي تشرع للزائر إذا قدم مدينته صلى الله عليه وسلم؟! وبالرجوع إلى كتب أهل العلم، وكتب الغلاة تبين لي أن الغلاة لم يهتدوا إلى التفريق بين الحث والترغيب في زيارة القبور مطلقًا وبين السفر إليها بشد الرحال، فالأول أمر مستحب دلت عليه السنة ففي مسلم وغيره قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {.. فزوروا القبور فإنها تُذكّر الموت} (1) الحديث. والثاني منهي عنه للنهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة في الحديث المتفق عليه: {لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى...} (2) واللفظ لمسلم (3) . وفي هذا المعنى يقول ابن عبد الهادي: (والسفر إلى زيارة القبور مسألة وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلها مسألة واحدة وحكم عليها بحكم واحد وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما وبالغ في التنفير عنه فقد حُرِم التوفيق وحاد عن سواء الطريق) (4) . وهذا الذي قاله ابن عبد الهادي هو ملخص ما قاله ابن تيمية في مسألة الزيارة المشهورة التي افترى عليه فيها الغلاة الكذب، وزعموا أن الشيخ يمنع زيارة القبور مطلقًا أو زيارة قبره صلى الله عليه وسلم.

(1) م: ك. الجنائز (7/46) مع النووي.

(2) خ: ك. الصوم، ب. صوم يوم النحر (4/240-241) مع الفتح، م: ك. الحج (9/105-106) مع النووي.

(3) انظر تفاصيل أكثر حول هذا الحديث: الرد على الأخنائي لابن تيمية ص (43) .

(4) الصارم المنكي، ص (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت