الصفحة 100 من 148

معسرين) وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا) ،وقال: (هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فاستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا) وروي عنه أنه قال: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) .

فالإنسان إذا أصابه في الجهاد والحج أو غير ذلك حر أو برد أو جوع، ونحو ذلك. فهو مما يحمد عليه، قال الله تعالى: {وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] .

وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الكفارات: إسباغ الوضوء / على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) .

وأما مجرد بروز الإنسان للحر والبرد بلا منفعة شرعية، واحتفاؤه وكشف رأسه، ونحو ذلك مما يظن بعض الناس أنه من مجاهدة النفس، فهذا إذا لم يكن فيه منفعة للإنسان، وطاعة صلى الله عليه وسلم، فلا خير فيه. بل قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: (ما هذا؟) قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال: (مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه) .

ولهذا نهي عن الصمت الدائم، بل المشروع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن ب الله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت) . فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والسكوت عن الشر خير من التكلم به.

وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه:

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وجعله تبيانا لكل شيء، وذكري لأولي الأل

باب، وأمرنا بالاعتصام به؛ إذ هو حبله الذي هو أثبت الأس

باب، وهدانا به إلى سبل الهدي ومناهج الصواب، وأخبر فيه أنه: {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] .

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له رب الأرباب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بجوامع الكلم، والحكمة وفصل الخطاب، صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة باقية بعد إلى يوم المآب.

أما بعد: فإن الله قد أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينًا، وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم، ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر، التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسي في /التوراة، وإن كانت الكلمات التي أنزلت علينا أكمل وأبلغ؛ ولهذا قال الربيع بن خثيم: من سره أن يقرأ كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يفض خاتمه بعده، فليقرأ آخر سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عليكُمْ} الآيات [الأنعام: 151، 153] .

وأمرنا ألا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأخبر رسوله أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء. وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر وأمره أن يتبعها، ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون. وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إليكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إليكَ} [المائدة: 48،49] . فأمره ألا يتبع أهواءهم عما جاءه من الحق، وإن كان ذلك شرعًا أو طريقًا لغيره من الأنبياء، فإنه قد جعل لكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت