الصفحة 101 من 148

نبي سنة وسبيلًا، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، فإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره، فكيف بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة، بل هو طريقة من لا كتاب له؟!

/وأمره وإيانا في غير موضع ـ أن نتبع ما أنزل إلينا، دون مخالفة فقال: {المص كِتَابٌ أُنزِلَ إليكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إليكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 1ـ3] .

وبين حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه، والذين استمسكوا به فقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} إلى قوله: {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 169،170] ، وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} الآيات [الأنعام: 155،156] . وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إليكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب: 1، 2] وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: 103] . وحبل الله كتابه، كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إليكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ} [يونس: 109] إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي أجمع المسلمون على اتباعها، وهذا مما لم يختلف المسلمون فيه جملة.

ولكن قد يقع التنازع في تفصيله، فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في مسائل الاجتهاد، وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون /أو سماعون للمنافقين. فقد أخبر الله ـ سبحانه ـ أن فينا قومًا سماعين للمنافقين، يقبلون منهم كما قال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] وإنما عداه باللام؛ لأنه متضمن معني القبول والطاعة، كما قال الله على لسان عبده: [سمع الله لمن حمده] أي: استجاب لمن حمده، وكذلك {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: مطيعون لهم، فإذا كان في الصحابة قوم سماعون للمنافقين فكيف بغيرهم؟!

وكذلك أخبر عمن يظهر الانقياد لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ} إلى قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 41،42] ، فإن الصواب أن هذه اللام لام التعدية كما في قوله: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي: قائلون للكذب، مريدون له وسامعون مطيعون لقوم آخرين غيرك، فليسوا مفردين لطاعة الله ورسوله. ومن قال: إن اللام لام كي، أي: يسمعون ليكذبوا لأجل أولئك، فلم يصب، فإن السياق يدل على أن الأول هو المراد، وكثيرًا ما يضيع الحق بين الجهال الأميين، وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة نفاق، كما أخبر ـ سبحانه ـ عن أهل الكتاب /حيث قال: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إلى قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} الآية [البقرة: 75 ـ 78] .

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه، وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه، فيغير معني الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به، وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب والسنة، بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأماني التي هي مجرد التلاوة، ومعرفة ظاهر من القول، هو غاية الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت