الصفحة 102 من 148

ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار، مع علم أولئك بما لم يعلمه الأميون، فإما أن تضل الطائفتان، ويصير كلام هؤلاء فتنة على أولئك حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين، ويصيروا في طرفي النقيض. وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم، وهذا من بعض أسباب تغيير الملل، إلا أن هذا الدين محفوظ، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق، فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها، وتغيير شرائعها مطلقًا؛ لما ينطق /الله به القائمين بحجة الله وبيناته، الذين يحيون بكتاب الله الموتي، ويبصرون بنوره أهل العمي، فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته.

وكان مقتضي تقدم هذه [المقدمة] أني رأيت الناس في شهر صومهم، وفي غيره ـ أيضًا ـ منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب: من أن الهلال يري، أو لا يري، ويبني على ذلك إما في باطنه، وإما في باطنه وظاهره، حتى بلغني أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يري، أو لا يري، فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه، وربما أجاز شهادة غير المرضي لقوله، فيكون هذا الحاكم من السماعين للكذب، فإن الآية تتناول حكام السوء، كما يدل عليه السياق حيث يقول: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] ، وحكام السوء يقبلون الكذب ممن لا يجوز قبول قوله من مخبر أو شاهد، ويأكلون السحت من الرشا وغيرها، وما أكثر ما يقترن هذان.

وفيهم من لا يقبل قول المنجم لا في الباطن ولا في الظاهر، لكن في قلبه حَسِيكَة من ذلك، وشبهة قوية لثقته به من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك، لا سيما أن كان قد عرف شيئًا من حساب النيرين /واجتماع القرصين، ومفارقة أحدهما الآخر بعدة درجات، وسبب الإهلال والإبدار والاستتار والكسوف والخسوف، فأجري حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية هذا المجري، ثم هؤلاء الذين يخبرون من الحساب، وصورة الأفلاك وحركاتها أمرًا صحيحًا قد يعارضهم بعض الجهال من الأميين المنتسبين إلى الإيمان، أو إلى العلم ـ أيضًا ـ فيراهم قد خالفوا الدين في العمل بالحساب في الرؤية، أو في اتباع أحكام النجوم في تأثيراتها المحمودة والمذمومة، فيراهم لما تعاطوا هذا ـ وهو من المحرمات في الدين ـ صار يرد كل ما يقولونه من هذا الضرب، ولا يميز بين الحق الذي دل عليه السمع والعقل، والباطل المخالف للسمع والعقل، مع أن هذا أحسن حالًا في الدين من القسم الأول؛ لأن هذا كَذَّب بشيء من الحق، متأولًا جاهلًا من غير تبديل بعض أصول الإسلام. والضرب الأول قد يدخلون في تبديل الإسلام.

فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يري أو لا يري لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث؛ إلا أن /بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال؛ جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًا بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم.

وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال، وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولًا يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية، وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام، وقد برأ الله منها جعفرًا وغيره، ولا ريب أن أحدًا لا يمكنه مع ظهور دين الإسلام أن يظهر الاستناد إلى ذلك، إلا أنه قد يكون له عمدة في الباطن في قبول الشهادة وردها، وقد يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت