الصفحة 103 من 148

عنده شبهة في كون الشريعة لم تعلق الحكم به، وأنا ـ إن شاء الله ـ أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة دليلًا وتعليلًا، شرعًا وعقلًا.

قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تمييزًا له؛ ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر شهور الحول، فيكون علمًا على الحول، كما أن الهلال/ علم على الشهر؛ ولهذا يسمون الحول حجة، فيقولون له: سبعون حجة، وأقمنا خمس حجج، فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء، أو سببًا من العبادة، وللأحكام التي تثبت بشروط العبد، فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام والحج، ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة، وهذه الخمسة في القرآن.

قال الله ـ تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 158] ، وقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، وقال تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] ، وقال تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] ، وكذلك قوله: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2] . وكذلك صوم النذر وغيره، وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن، ودين السلم، والزكاة، والجزية، والعقل، والخيار، والأيمان، وأجل الصداق، ونجوم الكتابة، والصلح عن القصاص، وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما.

وقال تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [يونس: 5] ، فقوله: {لِتَعْلَمُوا} متعلق ـ والله أعلم ـ بقوله: {وَقَدَّرَهُ} لا بـ {جَعَلَ} ؛ لأن كون هذا /ضياء، وهذا نورًا لا تأثير له في معرفة عدد السنين والحساب، وإنما يؤثر في ذلك انتقالهما من برج إلى برج؛ ولأن الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر، ولا سنة، وإنما علق ذلك بالهلال، كما دلت عليه تلك الآية؛ ولأنه قد قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36] ، فأخبر أن الشهور معدودة اثنا عشر، والشهر هلالي بالاضطرار، فعلم أن كل واحد منها معروف بالهلال.

وقد بلغني أن الشرائع قبلنا ـ أيضا ـ إنما علقت الأحكام بالأهلة، وإنما بَدَّلَ من بَدَّلَ من أتباعهم، كما يفعله اليهود في اجتماع القرصين، وفي جعل بعض أعيادها بحساب السنة الشمسية، وكما تفعله النصاري في صومها حيث تراعي الاجتماع القريب من أول السنة الشمسية، وتجعل سائر أعيادها دائرة على السنة الشمسية بحسب الحوادث التي كانت للمسيح، وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين في اصطلاحات لهم، فإن منهم من يعتبر بالسنة الشمسية فقط، ولهم اصطلاحات في عدد شهورها؛ لأنها وإن كانت طبيعية، فشهرها عددي وضعي. ومنهم من يعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القرصين، وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب.

/وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار، ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار؛ ولهذا سموه هلالا؛ لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان، إما سمعًا وإما بصرًا، كما يقال: أهَلَّ بالعمرة، وأهَلَّ بالذبيحة لغير الله، إذا رفع صوته، ويقال لوقع المطر: الهلل. ويقال: استهل الجنين، إذا خرج صارخًا. ويقال: تهلَّل وجهه، إذا استنار وأضاء.

وقيل: إن أصله رفع الصوت، ثم لما كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته سموه هلالا، ومنه قوله:

يهل بالفرقد ركبانها ** كما يهل الراكب المعتمر

وتهلل الوجه مأخوذ من استنارة الهلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت