الصفحة 104 من 148

فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بَين يشترك فيه الناس، ولا يشرك الهلال في ذلك شيء، فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس، مع تعب وتضييع زمان كثير، واشتغال عما يعني الناس، وما لابد له منه، وربما وقع فيه الغلط والاختلاف.

/وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني، أو الفلاني، هذا أمر لا يدرك بالأبصار، وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه، وإنما يعلم ذلك بالإحساس تقريبًا، فإنه إذا انصرم الشتاء، ودخل الفصل الذي تسميه العرب الصيف، ويسميه الناس الربيع؛ كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال الذي هو أول الحمل، وكذلك مثله في الخريف، فالذي يدرك بالإحساس الشتاء والصيف، وما بينهما من الاعتدالين تقريبًا، فأما حصولها في بُرْج بعد بُرْج فلا يعرف إلا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره، مع قلة جدواه.

فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال.

وقد انقسمت عادات الأمم في شهرهم وسنتهم القسمة العقلية؛ وذلك أن كل واحد من الشهر والسنة، إما أن يكونا عدديين، أو طبيعيين، أو الشهر طبيعيا، والسنة عددية، أو بالعكس.

فالذين يعدونهما، مثل من يجعل الشهر ثلاثين يومًا، والسنة اثني عشر شهرًا، والذين يجعلونهما طبيعيين، مثل من يجعل الشهر قمريا، والسنة شمسية، ويلحق في آخر الشهور الأيام المتفاوتة بين /السنتين، فإن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وبعض يوم خمس أو سدس، وإنما يقال فيها: ثلاثمائة وستون يومًا جبرًا للكسر في العادة ـ عادة العرب في تكميل ما ينقص من التاريخ في اليوم والشهر والحول.

وأما الشمسية، فثلاثمائة وخمسة وستون يومًا، وبعض يوم، ربع يوم؛ ولهذا كان التفاوت بينهما أحد عشر يومًا إلا قليلا، تكون في كل ثلاثة وثلاثين سنة وثلث سنة: سنة؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25] قيل معناه: ثلاثمائة سنة شميسة. {وَازْدَادُوا تِسْعًا} بحساب السنة القمرية، ومراعاة هذين عادة كثير من الأمم، من أهل الكتابين بسبب تحريفهم، وأظنه كان عادة المجوس ـ أيضًا.

وأما من يجعل السنة طبيعية، والشهر عدديا، فهذا حساب الروم والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين، ممن يعد شهر كانون ونحوه عددًا، ويعتبر السنة الشمسية بسير الشمس.

فأما القسم الرابع، فبأن يكون الشهر طبيعيا، والسنة عددية، فهو سنة المسلمين ومن وافقهم، ثم الذين يجعلون السنة طبيعية لا يعتمدون/ على أمر ظاهر كما تقدم، بل لابد من الحساب والعدد، وكذلك الذين يجعلون الشهر طبيعيا، ويعتمدون على الاجتماع لابد من العدد والحساب، ثم ما يحسبونه أمر خفي ينفرد به القليل من الناس، مع كلفة ومشقة وتعرض للخطأ.

فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقًا إلى التلبيس في دين الله ـ كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم.

وأما الحول، فلم يكن له حَدٌ ظاهر في السماء، فكان لابد فيه من الحساب والعدد، فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من أن يحسب بسير الشمس، وتكون السنة مطابقة للشهور؛ ولأن السنين إذا اجتمعت فلابد من عددها في عادة جميع الأمم؛ إذ ليس للسنين إذا تعددت حد سماوي يعرف به عددها، فكان عدد الشهور موافقًا لعدد البروج، جعلت السنة اثني عشر شهرًا بعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية، فإذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية. وبهذا كله يتبين معني قوله: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] ، فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت