فهرس الكتاب
القرآن، فصار مع هذه المجاهدة يتلقن كل يوم ويكرر، ثم حدثت عنده مع ذلك همة إلى طلب المقصود، وقيام أكثر الليل، وكثرة الاجتهاد، والدأب في العبادة، فاجتمع عليه ثقل يبس الصيام، مع ضعف القوة في السبب، مع يبس التكرار وكثرته، مع اليبس الحادث من الهمة الحادة، وهو شاب عنده حرارة الشبوبية، فأثر مجموع ذلك خللًا في ذهنه، من ذهول، وصداع يلحقه في رأسه، وبلادة /في فهمه، بحيث إنه لا يحيط بمعنى الكلام إذا سمعه، وظهر أثر اليبس في عينيه حتى كادتا أن تغورا. وقد وجد في هذا الاجتهاد شيئا من الأنوار، وهو لا يترك هذا الصيام لعقده الذي عقده مع الله -تعالى، لخوفه أن يذهب النور الذي عنده، فإذا نهاه أحد من أهل المعرفة يتعلل، ويقول: أنا أريد أن أقتل نفسي في الله، فهل صومه هذا يوافق رضا الله ـ تعالى ـ وهو بهذه الصفة؟ أم هو مكروه لا يرضى الله به؟ وهل يباح له هذا العقد وعليه فيه كفارة يمين أم لا؟ وهل اشتغاله بما فيه صلاح جسمه، وصيانة دماغه، وعقله، وذهنه، ليتوفر على حفظ فرائضه، ومصلحة عياله الذي يرضى الله منه، ويريده منه أم لا؟ وهل إصراره على ذلك موجب لمقت الله ـ تعالى ـ حيث يلقى نفسه إلى التهلكة بشيء لم يجب عليه؟
وإن كان مشروعا في السنة، فهل هو مشروع مطلقا لكل أحد؟ أم هو مخصوص بمن لا يتضرر به؟ يسأل كشف هذه المسألة وحلها فقد أعيا هذا الشخص الأطباء، وأحزن العقلاء لدخوله في السلوك بالجهل، غافلًا عن مراد ربه، ونسأل تقييد الجواب، وإعضاده بالكتاب والسنة، ليصل إلى قلبه ذلك، آجركم الله ـ تعالى ـ ومتع المسلمين بطول بقاكم، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، ورضي الله عن أصحابه أجمعين.
/فأجاب شيخ الإسلام العلامة الحافظ المجتهد مفتي الأنام تقي الدين أحمد بن تيمية بخطه:
الحمد لله، جواب هذه المسألة مبني على أصلين:
أحدهما: موجب الشرع.
والثاني: مقتضى العهد، والنذر.
أما الأول: فإن المشروع المأمور به الذي يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الاقتصاد في العبادة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا) وقال: (إن هذا الدِّين متينٌ، ولن يُشادَّ الدّين أحدٌ إلا غلبه، فاستعينوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيء من الدُّلْجة، والقَصَد القَصَد تَبْلُغوا) وكلاهما في الصحيح.
وقال أبي بن كعب: اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة.
فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها، كانت محرمة، مثل أن يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب أو يمنعه عن العقل، أو الفهم الواجب، أو يمنعه عن الجهاد الواجب، /وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها، مثل أن يخرج ماله كله، ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم.
وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها، وأوقعته في مكروهات، فإنها مكروهة. وقد أنزل الله ـ تعالى ـ في ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] ، فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة: هذا يسرد الصوم، وهذا يقوم الليل كله، وهذا يجتنب أكل اللحم، وهذا يجتنب النساء، فنهاهم الله ـ سبحانه وتعالى ـ عن تحريم الطيبات من أكل اللحم، والنساء، وعن الاعتداء وهو الزيادة على الدين المشروع في الصيام، والقيام، والقراءة، والذكر، ونحو ذلك، والزيادة في التحريم على ما حرم والزيادة في المباح على ما أبيح، ثم إنه أمرهم بعد هذا بكفارة ما عقدوه من اليمين على هذا التحريم، والعدوان.